في مثل هالأجواء، الناس تمرض أكثر.. أو «تحب» تمرض أكثر. فجأة المستشفيات تمتلئ، والعيادات تزدهر، وكأن نزلات البرد موسمية مثل الرطب. والسبب؟ مو دايماً فيروس عنيد، أحياناً امتحان صعب، أو دوام ثقيل، أو مدير ما يعرف معنى «الجو بارد خلّونا نخفف شوي». هنا تبدأ رحلة البحث عن العذر الطبي.. ذاك الكنز الورقي الصغير اللي يمنحك يوم راحة رسمي.
وأنا أراقب هذا المشهد الشتوي المألوف، تذكّرت تصريحاً عاد للواجهة مؤخراً، لإيلون ماسك، الرجل الذي يحب أن يرمي بالحجر ثم يترك العالم يناقش الدوائر التي يصنعها في الماء. قاله في حوار تقني مطلع هذا العام، وهو يناقش مستقبل الذكاء الاصطناعي لا الطب وحده. ماسك لم يقل بالأمس إن «دراسة الطب بلا جدوى»، لكنه قالها بثقة جعلت العبارة تعيش أطول من خبر عاجل. لم يقلها وهو ينتظر دوره في الطوارئ، ولا وهو يحمل كيس أدوية من الصيدلية، بل قالها من مقعد مريح في بودكاست مكيف، وبمنطق يرى الطب مسألة بيانات، والجسد معادلة، والطبيب نسخة بطيئة من خوارزمية يمكن تحديثها كل ثانية. من وجهة نظره، الذكاء الاصطناعي لا يمرض، لا ينسى، ولا يحتاج إجازة مرضية.. وهذه، في عالم ماسك، ميزة قاتلة.
ماسك يرى إن مستقبل الطب للآلات: تشخيص فوري، جراحة بلا ارتعاش، وطبيب افتراضي ما يتأخر ولا يقول لك «راجعنا بعد أسبوع». تخيّل تفتح تطبيق في جوالك، تشتكي له: «حلقي يعورني»، فيرد عليك خلال ثانيتين: «برد موسمي... اشرب سوائل دافئة، وخذ هذا الدواء، ولا تحاول تتحايل على العذر الطبي، حالتك لا تستاهل». هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
لأن جزءاً من علاقتنا مع الطب، بعيداً عن العلم والتشخيص، هو إنساني جداً. الطبيب اللي ينظر لك بنظرة متعاطفة، ويقول: «واضح عليك تعبان»، حتى لو حرارتك 37.1. الطبيب اللي يفهم إن أحياناً المرض مو في الحلق ولا في الصدر، بل في جدول الامتحانات أو ضغط الحياة. هل الذكاء الاصطناعي بيسويها؟ أشك.
صحيح، التكنولوجيا بتغير الطب، وبتخليه أدق وأسرع وأعدل. ممكن بعد سنوات، جهاز صغير في البيت يكتشف المرض قبل لا تحس فيه، ويرسل تنبيه: «لو استمريت على هالنمط، بتتعب بعد ثلاث سنوات». مستقبل رائع.. لكنه مخيف شوي. لأننا متعودون نمرض «بطريقتنا»، ونرتاح «بطريقتنا»، ونبرر غيابنا «بطريقتنا».
وسط كل هذا، يبقى المشهد اللي ما أظن أي خوارزمية تقدر تستبدله: شخص جالس في مساء بارد، شباك نص مفتوح، هواء بارد يدخل بهدوء، وكوب شاي حار في اليد. هذا الشاي ما يعالج نزلة برد، لكنه يعالج شيء أعمق: إحساس إنك إنسان، مو ملف بيانات، ولا حالة رقمية.
يمكن مستقبل الطب فعلاً ذكياً، آلياً، وسريعاً. لكني متأكد من شيء واحد: طالما الجو يبرد في البحرين، وطالما الشاي له هذا التأثير العجيب، وطالما الإنسان يحتاج أحياناً «عذراً» أكثر من «علاج».. سيبقى للطب وجه إنساني، مهما تطورت الآلات.
وإلى أن يتعلم الذكاء الاصطناعي كيف يراعي الجو، والمزاج، وضغط الأيام، خلّونا نستمتع بهالأيام الباردة، ونصب شاياً ثانياً.. فبعض الدفء لا يزال خارج متناول الخوارزميات.
* خبير تقني