لغاية عهد قريب كان الإنسان يعمل ويجتهد ليحول ناتج عمله إلى ملكيات، بيت، أرض، سيارة، مقتنيات، وأكثرها تورَّث من جيل إلى جيل، وفجأة مع تغير الأحوال في العالم، صار الإنسان يعمل ويجتهد ليحول ناتج عمله إلى عدد من "الاشتراكات"، ومن يحسن التصرف هو ذلك الذي يضبط اشتراكاته على أساس قدرته على الدفع آخر الشهر، في النهاية لم نعد نملك الأشياء، بل نملك إيصالات شهرية، ولم نعد نورث ممتلكات، بل نترك لمن خلفنا كلمات مرور – هذا إن بقيت صالحة -.

ولنكون موضوعيين فالوضع الجديد يسمى في اصطلاح الشريعة والقانون "ملك" لأن الملك على نوعين: الأول ملك الرقبة أو ملك العين، مثل البيت والأرض والسيارة وغيرها من الأشياء، وملك المنفعة، وهي إيجار شقة لنسكن فيها أو سيارة لنتنقل فيها وغيرها من الاشتراكات والخدمات المدفوعة، لكنها في الواقع تنتهي بنهاية العقد، ونغادرها ولا نأخذ منها شيئاً، وهذا النوع من الملكية هو الذي طغى على واقعنا في الفترة الأخيرة، فأصبحنا نعيش في بيوت لا نجرؤ على تحريك طابوقة واحدة فيها لأن العقد لا يسمح لنا، نشتري أثاثاً خفيفاً ليس لأنه أنيق، بل لأنه سهل النقل عند الإخلاء المفاجئ، أصبحت البيوت محطات وما نملكه فعلياً حقائب تحمل مقتنيات مؤقتة هي الأخرى، حتى الموسيقى والأفلام، كنا في السابق نملك الأشرطة والكاسيتات التي تسجل عليها، واليوم لا نملك واحدة منها لأننا نملك اشتراكات في منصات الموسيقى والأفلام، نفقدها إذا لم ندفع اشتراك الإنترنت أو بنهاية العقد الشهري مع المنصات المزودة، وربما تحذف من المنصة ولا يحق لنا المطالبة فيها؛ لأن العقد لا يسمح، السيارة أيضاً لم تسلم من هذا الحال، فبعد أن كانت رمز الاستقلال، أصبحت عبئاً مكلفاً، فهي مملوكة للبنك، ونحن نسدد أقساطها الشهرية وما أن ننتهي منها حتى تصبح بالية وقديمة، فنشتري غيرها لندخل في هذه الدورة من جديد، الأمر لا يقف عند الأشياء، فالعلاقات الإنسانية بدأت تشبه الاشتراكات، تجربة مجانية، قابلية للإلغاء في أي وقت، دون التزامات طويلة الأمد، متابعة بلا مسؤولية، إعجاب بلا التزام، ووداع سريع بلا ضمان، كأننا نخشى الملكية العاطفية أكثر مما نخشى الملكية المادية.

والسؤال هنا إذا كنا لا نملك - بالمعنى العرفي وليس الاصطلاحي - فمن الذي يملك؟ والجواب هو الشركات التي لا تملك منتجاتها فقط، بل تملك سلوكنا أيضاً، فالتطبيق الذي نشترك فيها اشتراكاً شهرياً لا نملكه، بينما هو ملك للشركة وفوق ذلك يملك بياناتنا، لا نملك الخدمة، بل الخدمة تعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا، في اقتصاد اللا امتلاك، الشيء الوحيد الذي نملكه هو الراتب، وحتى هذا مؤقت ودورنا توزيعه على اشتراكاتنا التي لا نملكها، لهذا نحن نعمل كثيراً، ونفقد الإحساس بالثبات، فكل شيء قابل للإلغاء، حتى الشعور بالأمان.

* عميد كلية القانون – الجامعة الخليجية