أكثر ما يضحكني فيما يجري من أحداث هو المحلل السياسي العربي على الفضائيات الذي يفتي في الشأن الخليجي حين تسأله المذيعة عن وضع دولنا الخليجية بعد انتهاء الحرب، فيسترسل في سرد صور سوداوية عن اليوم التالي بعد وقف إطلاق النار وإعلان نهاية الحرب، ولا ندري هل يجد في تلك الصور الراحة إن صدقها؟ أم هي تمنياته؟
في حال توقف الحرب وفتح مضيق هرمز سيعود أطفالنا لمدارسهم، وسيعود الموظفون لوظائفهم وسيستمر دفع رواتبهم، وستستمر أسواقنا مفتوحة كما كانت من قبل وأثناء وبعد انتهاء الحرب، وسيبدأ عمال الصيانة بإصلاح مواضع سقوط مسيرات العدوان، ولن نشعر بأي شيء متغير عدا ذلك، ولن نحتاج أن نرفع شعارات ولافتات النصر كما سيحرص عليه من تبقى من قيادات إيران بعد وقف إطلاق النار، فهؤلاء من سيحتاج أن يرفع رايات النصر.
عزيزي المحلل العربي إنك لا تعرفنا ولا تعرف مصدر قوتنا في دولنا الخليجية مخيلتك الفقيرة هي التي سولت لك أن مصدر قوتنا هي (فلوسنا)، أما نحن ولله الحمد دول تتمتع باستقرار سياسي يحفظ كيانها، وليست كما تتمناها ضعيفة تعتمد على غيرها بفضل أموالها.
كما أن قوة دول الخليج ليست بعمقها الحضاري فحسب -والذي لا تعرف عنه شيئاً- فهي لا تعتمد على كنا وكان من عناصر توارثتها لا فضل لها بها، إنما قوتها نابعة من حكمة قادت لاستقرار أنظمتها السياسية المبنية قواعده الراسخة على أكثر من 300 سنة من الحكم الملكي.
وليس طول المدة لهذه الأنظمة هو الذي يجعلها تتمتع بالاستقرار، بل استقرار سنده البيعة بينها وبين شعوبها، فدول الخليج ليست بالأنظمة التي تتأثر إن سقطت دول حولها، فيصيبها زلزال السقوط هلعاً.
المصدر الآخر لقوتها هو هذه المنظومة التي تضمها، والتي ألهم الله قادتنا الأوائل بتأسيسها، فقد استجابت فيها أنظمتنا السياسية مع واقعها الجغرافي والتاريخي بذكاء وحسن تدبير، فكان اتحاد منظومتنا الخليجية استجابة لهذا الواقع، إذ تعاملت الأنظمة بحنكة سياسية حين ذاك مع وضع قائم على وحدة شعوبها في الأصل، فجاء المجلس استجابة له به من قيمة الإيثار ما لا تتمتع به أنظمة عربية أخرى، فلسنا ممن يعلن بيان رقم واحد في الصباح ثم يلغيه مساء، فالمجلس باقٍ بل وأكثر انسجاماً والدليل هذه الالتفافة والتجاوز لأي خلافات بينية في خضم الأحداث، فهذه المنظومة تبدت قوتها أثناء الحرب بوحدة مواقفها السياسية وبقوة صمودها العسكرية وعدم الانجرار للحرب فلسنا دعاة حرب طوال تاريخنا العريق.
فإن جئنا لنحسب من انتصر، ومن انهزم بلا شعارات وطنطنات، فلن نهتم بما سيعلنه أي طرف بعد وقف إطلاق النار، فكل منهم سيقول أنا انتصرت.
بالنسبة لنا كدول خليجية التي أجبرت على مواجهة هذا الكم من الهجمات، دون أن تعتدي على أحد، نعتبر صمودنا أمام ذلك الحجم من الضغوطات لاستدراجنا للفخ، وخروجنا بتلك الخسائر المادية المحدودة، والتي ستعوض بإذن الله هو انتصار كبير لنا.
أتعرفون لماذا؟ لأن الانتصار يقاس باليوم التالي، لأننا الطرف الوحيد الذي التفت شعوبه مع أنظمتها السياسية إبان الأزمة، وحين تطفئ نيران الحرب ستكون معركتنا الوحيدة هو إعادة بناء ما هدم فقط، فذلك أكبر همنا.
في حين أن إيران التي ستقول إنها انتصرت سيضطر حرسها الثوري أن يواجه الداخل بعد انتهاء الحرب، تلك هي حربه القادمة والتي يخشاها، وهي أخطر عليه بكثير من صواريخ إسرائيل وقنابل أمريكا (هذا إن بقي أحد من النظام السابق ممسكاً بالحكم).
كذلك ترامب سيواجه الداخل الأمريكي الذي يتحين فرصة وقف إطلاق النار، وهو يستشيط غضباً وعليه أن يبرر لهم قراراته الانفرادية.
ثم تأتي إسرائيل التي يحاول نتنياهو أن يطيل من أمد الحرب حتى لا يواجه الشارع والأحزاب التي سئمت مغامراته ورعونته، وما إن تتوقف النيران سيجبر على مواجهة معارضيه.
أما نحن فشعوبنا من الآن وحتى قبل أن يأتي يوم التفاوض هي الأكثر التفافاً حول قادتها وأكثر لحمة وطنية، بل وأكثر إعجاباً بما قامت به حكوماتنا تجاهنا كشعوب أثناء الحرب، وبفضل حكمتها وسياستها خرجنا ولله الحمد سالمين.
هذا واحد من الأسباب الذي يؤكد أن وضعنا سيكون أفضل بكثير عن بقية الأطراف التي شاركت في الحرب على عكس تلك التحليلات التي تفتقر إلى أي اتصال بواقعنا.
أما السبب الثاني الذي يجعل لنا الأفضلية بعد انتهاء الحرب فهو أننا تعايشنا مع إيران لمدة خمسين عاماً بترسانتها التي رأينا حجمها بعد تدميرها، فإن المتغير علينا أننا سنواجه إيران بعد أن خسرت ما احتفظت به لنا، وعليه لن تكون إيران عاملاً مهدداً كما كانت عليه قبل 28 فبراير.
أما انتصارنا الثالث، فندين بالفضل له للحرس الثوري، إذ بسبب اعتدائه على مَن عده حليفاً وصديقاً خسر تعاطف دولنا الست لسنوات إن لم يكن لعقود، وذلك أيضاً في صالحنا ويقربنا أكثر، ويوحدنا أكثر.
الانتصار يا عزيزي المحلل لا بالإعلانات ولا بالأناشيد ولا البروباغندا التي سيفعلها كل طرف، الانتصار هو ما هو وضعك الداخلي بعد انتهاء الحرب.
إيران من النوع الذي يعشق البروباغندا وبالنسبة له سيعد بقاء إصبع التشهد سليماً مرفوعاً في جسد ملفوف كله بالجبس ورئة وقلب يعملان بالمضخات وسكتة دماغية تحول بينه وبين اتصاله بالعالم الخارجي، قادر على أن يسمي ذلك انتصاراً، والمصيبة أن هناك من يتفق على اعتبار ذلك نصراً كمحللينا العرب في قنواتنا الفضائية، فهنيئاً لهم بتحليلاتهم وبمستمعيهم وبالمتفقين في الرأي معهم.
أما نحن، فسنكون مشغولين بإكمال المسيرة بعد أن اضطررنا للتوقف قليلاً.