منذ انطلاق أولى حلقاته، منتصف نوفمبر الماضي، نجح برنامج دولة التلاوة، الذي تبثه عدد من القنوات المصرية، في جذب اهتمام ملايين المشاهدين على امتداد الوطن العربي، ليصبح أحد أبرز وأهم البرامج الدينية في مصر والعالم العربي، حيث يهتم بإحياء مدرسة التلاوة المصرية، ويهدف إلى اكتشاف ورعاية المواهب الشابة في ترتيل وتجويد القرآن الكريم.

شخصياً، أحرص كل أسبوع على مشاهدة البرنامج ومتابعة التصفيات التي اقتربت من نهايتها، حيث عذوبة الأصواب وإبداع الأداء، مما يذكرنا بكبار القرّاء المصريين، الذين لاتزال أصواتهم تصدح في مختلف الإذاعات العربية، ومنهم صاحب الحنجرة الذهبية الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، وملك المقامات الشيخ مصطفى إسماعيل، والصوت الباكي الشيخ محمد صديق المنشاوي، وشيخ المقارئ الشيخ محمد خليل الحصري، وقيثارة السماء الشيخ محمد رفعت.

استذكر كل هذه الأسماء وأنا أتابع المواهب المصرية الشابة وهي تتألق بأجمل التلاوات، تأكيداً على تواصل الأجيال والمواهب في أرض الكنانة، وبرعاية رسمية وأهلية غير مسبوقة، حيث تسعى العديد من المؤسسات الخاصة إلى تقديم جوائز ومكافآت مالية للمشاركين.

ولكن أكثر ما يلفت في «دولة التلاوة» أنه أعاد للإعلام هيبته ورسالته التي غابت طويلاً، وذلك بعد أن تحولت كثير من المنصات الإعلامية إلى منصات لصنع التفاهة، واستسهلت فكرة الانتشار وجلب المتابعين وتحقيق الأرباح، دون أي اهتمام بالمحتوى الذي يرتقي بالأخلاق والإنسان والثقافة وقيم المجتمع.

في جوهره، يذكرنا «دولة التلاوة» بأن الإعلام مساحة لصناعة الإنسان، وحين يختار أن يكون رسالة، يصبح شريكاً حقيقياً في التربية، ويؤدي دوراً في غرس القيم وبناء الذائقة والوجدان، لذلك ما يقدمه هذا البرنامج ليس تلاوة جميلة فقط، بل نموذج لما يمكن أن يقدمه الإعلام للأجيال القادمة عندما يحترم عقولهم ويخاطب أرواحهم، ويمنحهم قدوة حقيقية بدل نماذج الاستهلاك السريع والنجومية الفارغة.

ولاشك في أن الأثر الحقيقي للإعلام يقاس بما يتركه في وعي الناس، خصوصاً بين الشباب، وحين يرى طفل أو شاب موهبة تشبهه، تقف بثقة على منصة محترمة، وتحظى بالتقدير والتشجيع، فإنه يتعلم أن القيم الأصيلة لاتزال تجد مكانها في هذا العالم. وهنا يتحول الإعلام إلى أداة بناء، تزرع الأمل، وتصنع الانتماء.

وفي رأيي أن الدرس الأهم الذي يقدمه «دولة التلاوة» هو أن الإعلام الجيد لا يحتاج إلا إلى رؤية تؤمن بأن الإنسان هو الهدف، وأن بناء الأجيال يبدأ بكلمة صادقة، وصورة نظيفة، ورسالة تحمل مسؤوليتها الأخلاقية. وعندما يستعيد الإعلام هذا الدور، يصبح شريكاً في نهضة المجتمع وقوة ناعمة قادرة على صناعة مستقبل أكثر توازناً ووعياً.