اعتدت دوماً أن أبدأ كتابة مقالاتي بسرد قصة، لكنني اليوم أقف عاجزة أمام اختيار قصة من بين تلك القصص التي تحكي عن هذا الموضوع، أراني لا أستطيع أن أشارككم ما أحمله داخلي من حكايات كلماتها ثقيلة جداً، حكايات استُبيحت فيها كرامة أبطالها حين قرّر العالم أن يُسعر وجودهم وفقاً لقانون السوق.
ماذا تعني المتاجرة بالأشخاص؟ كيف يتاجر أو تاجر إنسان بإنسان آخر؟ هل انتهى عصر التجارة بالبضائع وبدأ عصر بات فيه الإنسان سلعة تُعرض وتُسعّر وتتم المُتاجرة بها؟ حضرت منذ أيام ورشة عمل توعوية نظمتها هيئة تنظيم سوق العمل للعاملين في قطاع الإعلام في مجال مكافحة «الاتجار بالأشخاص»، لِنَقُلْ إنني لم أستخدم هذا المصطلح من قبل وإني كغيري كنا ومازلنا نستخدم مصطلحات تتناسب أكثر مع المواقف التي نسمع عنها غالباً، مصطلحات مثل استغل، باع أو اشترى، تحايل أو خدع أو غيرها الكثير من المفردات التي تزخر بها المعاجم في محاولة يائسة لوصف سلوك غير إنساني، لكن، يقوم به «الإنسان» نفسه.
في الورشة فهمنا أكثر كيف يمكن أن تكون هذه المصطلحات مضللة أكثر منها وصفاً دقيقاً للمواقف التي يتعرّض لها البعض من أفراد المجتمع بشكل يومي، مواقف نظن جهلاً منا أنها صحيحة، في حين هي أبعد ما تكون عن الإنسانية، أو مواقف أخرى سمعنا عنها هزّت قلوبنا وعقولنا وأخرى نالت من أرواحنا نصيباً لهول أحداثها.
قصص نخشى من ألمها أن تؤلمنا لأشخاص حملوا على أكتافهم أحلامهم ومضوا يبحثون عن لقمة العيش فأخذتهم الدروب إلى واقع تمت فيه المتاجرة بأرواحهم، هؤلاء تشاركوا معنا نفس صفات الإنسان، لهم جسد وقلب وروح، ولكنهم عبثاً حاولوا أن يتشاركوا معنا نفس الحقوق، قُيّدوا بقيود لا تُرى ولكنها كانت أقسى من الحديد.
في عالم سوق «الاتجار بالأشخاص» كل شيء له سعر حتى كرامة الإنسان، هناك الجسد أصبح رقماً والاسم ملفاً والألم صفقةً والضعف فرصة استثمارية، هي تجارة صامتة متنوعة ليست فقط سلاسل وحدوداً، وليست فقط تهريباً، بل تعدّت ذلك إلى عمالة قسرية، عقود وهمية، وعود كاذبة، استغلال واستعباد وما خفي في الظلام أعظم، أو لِنَقُلْ أن العكس صحيح، أخطرها تلك التي تبدو طبيعية، التي تحدث أمام أعيننا في الضوء وتُبرّر بالضرورة، وتُغلّف بالقانون، وأقساها تلك التي يقبلها الإنسان خوفاً، فمن يبني تلك الأسواق ومن يحميها ومن يصمت عنها؟
حين نسمح بتحويل الإنسان إلى سلعة فنحن لا نخسر ضحية جديدة في كل مرة، بل نخسر المعنى من وجود الإنسان نفسه. كثيرة تلك القوانين التي تعاقِب هذه الجرائم لكنها وإن عاقبت مازال الوعي هو الأداة الرئيسية التي بها فقط نستطيع أن نمنع ولادة الجريمة من الأساس.
الوعي ليس فقط بالقضية، إنما الوعي بأساليبها وطرقها وأفعالها وكيفية مواجهتها والحد من انتشارها، الوعي الأول بأهمية استخدام الكلمة الصحيحة لوصف الحدث والتوقف عن استخدام تلك المصطلحات التي تُخدّر حواسنا والتي نحاول من خلالها تخفيف عبء القضايا. إنها ليست فقط قضية استغلال، إنها تاجر يتاجر «متاجرة بالأشخاص».