قبل سنوات، جاءني أحد المسؤولين، وعيونه «تبرق ظفرًا»، وقال: «هناك شيء جديد الآن اسمه تشات جي بي تي، وهو قادر على كتابة المقالات، يعني ممكن استبدالكم».

ضحكت في وجهه؛ لأنني استوعبت فورًا أن هذا الشخص يحمل في داخله سوادًا واضحًا أو غيرة سقيمة تجاه بعض الكتّاب والإعلاميين، وأنه يركض اليوم مهللًا فرحًا لوجود ذكاء اصطناعي يمكنه -من وجهة نظره- كتابة مقالات تنافس البشر، بل وتتفوّق عليهم لغويًا.

والمضحك أكثر أن هذا الشخص، وكثيرين غيره، لو طلبتَ منه أن يكتب جملة واحدة صحيحة في موضوع محدد وفي وقت قياسي، لعجز عن ذلك.

ألسنا أمام حالة مرضية واضحة؟!

عمومًا، قلتها يومها وأكررها دائمًا، من صنع الآلات وهذه الأنظمة هم البشر أنفسهم، لكنك مهما طوّرت الآلات، فإن اللمسة البشرية تبقى العنصر الوحيد الذي لا يمكن «صناعته» أو «تصنّعه».

فالمشاعر لا يمكن أن تصدر عن آلة، أو نظام، أو خوارزمية. نعم، يمكن «التظاهر بالمشاعر»، لكنها تظل مشاعر زائفة.

الخطورة في موضوع الذكاء الاصطناعي لا تكمن في «التزييف»، ولا في «التجمّل»، ولا في الظهور بمظهر «العالِم» أو «الفيلسوف» أو «النابغة في اللغة»، أو غير ذلك من المظاهر. الخطورة الحقيقية تتمثل في «تخدير العقول» أو «إحالتها إلى التقاعد».

حين يصبح هناك من يفكّر عني، ومن يكتب عني، ومن يبحث عني، فإننا نكون أمام إنسان قبل طواعيةً أن يمنح عقله «إجازة مفتوحة»، ويمضي على هذا النسق في كثير من شؤون حياته.

من يعجز عن إيجاد تفاعل بشري حقيقي مع ما ينتجه من أفكار أو أعمال، يستطيع بسهولة أن يجد له «متفاعلًا إيجابيًا»، يكتب له ما يطرب أذنه، ويتجنب منحه الكلام الواقعي الذي قد يؤلم أو يكشف الحقائق. فهذه في النهاية «خوارزميات» تراقب الأنماط لدى كل فرد، سواء عبر محركات البحث أو مواقع التواصل الاجتماعي، فتقدّم لك ما أدركت أنه يسترعي انتباهك، وتكتب لك ما يعجبك، وتبعد أو تُغيّب ما يزعجك، أو الأخطر من ذلك، ما قد يجعلك تدرك الواقع أو تواجه الحقائق المرة.

هنا، لسنا في موقع التحذير من الذكاء الاصطناعي مطلقًا؛ فكل شيء في هذه الحياة له وجهان، إيجابي وسلبي. وكثير من الأمور تتفوق إيجابياتها على سلبياتها، ولا تُعد ولا تُحصى.

لكن الذي يحدد طغيان السلبيات هم البشر أنفسهم، وذلك من خلال طريقة الاستخدام. فالكأس الزجاجي، على سبيل المثال، صُنع لنشرب فيه السوائل، وهذه إيجابيته، لكنه قد يتحول إلى أداة ذات استخدام سلبي إذا كُسر واستُخدم لجرح الآخرين أو إيذائهم.

وبنفس السياق، يمكن قياس كل شيء آخر.

يبقى التحذير ، من وجهة نظري، محصورًا في ضرورة حماية العقول من «البلادة»، وإنقاذها من خطأ «تغييب التفكير»، ومن صناعة شريحة «اتكالية» في كل شيء، في اتخاذ القرار، وفي إنجاز الأعمال، وحتى في المشاعر.