في السنوات الأخيرة، اتسعت رقعة بيع الوجبات المحلية خارج الأطر الرسمية، ليس بدافع المخالفة، بل بحثاً عن دخل يسد جزءاً من متطلبات الحياة. أفراد وأسر وجدوا في ما يُجيدونه باب رزقٍ محدود، لكنهم يصطدمون بواقعٍ أُجبروا عليه، حيث يصبح العمل خارج النظام مخاطرة، فيما يبدو الدخول إليه شبه مستحيل.
هؤلاء، في رأيي، مصدر فخر. لا لأن ما يفعلونه هو الخلاص النهائي لأوضاعهم، ولا لأنه حل سحري، بل لأنه يمنحهم استقلالية كريمة، ويبعدهم عن الحاجة للآخرين. عمل صغير بهامش ربح ضئيل، لكنه كبير بقيمته الإنسانية، ويعكس رغبة صادقة في الاعتماد على النفس بدل انتظار المجهول.
غير أن الصورة ليست وردية كاملة. الجهات المعنية تجد نفسها أمام معادلة صعبة، فترك أي نشاط غذائي دون تنظيم يحمل مخاطر صحية لا يمكن التغاضي عنها، إذ من حق المستهلك أن يحصل على غذاء آمن وخاضع لاشتراطات واضحة.
وفي المقابل، فإن تطبيق المتطلبات النظامية بحرفيتها الكاملة قد يتحول إلى عبء يقضي على مصدر رزق هش من الأساس. الجميع يعلم أن فتح محل أو تجهيز مطبخ مكتمل الشروط، مع سجل وإيجارات والتزامات، ليس خيارًا متاحًا لكثيرين. أسعار منتجاتهم منخفضة، وهوامشهم محدودة، ولا تحتمل أعباء إضافية.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي الذي لا يمكن تجاهله. هل نترك الأمر دون تنظيم، أم نُطبق النظام كما هو دون نظر إلى العواقب الاجتماعية والمعيشية.
أعتقد أن الحل موجود، وهو أبسط مما يبدو، إذا ما أردنا تنظيم هذا النشاط دون خنق أصحابه. الحل ليس في اشتراط سجل تجاري، ولا في إلزام هذه المشاريع بمحال رسمية تفوق قدرتها، بل في إنشاء مطبخ مركزي. مطبخ تؤسسه الدولة، تشترك فيه الجهات ذات العلاقة، وعلى رأسها «تمكين»، يكون مجهزاً بكامل متطلبات صناعة الغذاء، ويُخصص فيه لكل أسرة أو فرد مساحة وأدوات عمل.
على أن يتولى «تمكين»، بالتعاون مع جهات أخرى، مهام التجهيز والإدارة والمتابعة، مع توفير فرص للتدريب والتطوير، بما يمكّن هؤلاء من الارتقاء بمشاريعهم مستقبلًا، سواء عبر تأسيس مشاريع أكبر، أو التحول إلى متعاقدين لتقديم خدماتهم للمؤسسات الخاصة أو العامة في الدولة.
هذا الطرح ينسجم مع الدور العام لتمكين في دعم العمل المنتج، لكنه ينقله من التمويل الفردي إلى البنية التحتية المشتركة، بما يخفف الكلفة على أصحاب المشاريع، ويرفع في الوقت ذاته مستوى الالتزام الصحي والتنظيمي.
ومن خلال هذا النموذج، يمكن كذلك توفير فرص عمل بحرينية كمساعدين في هذه المطابخ، يعملون ضمن إطار منظم وثابت، ويتبعون المطبخ المركزي بشكل مباشر. وبهذا نحقق أكثر من هدف في آن واحد، حماية المستهلك، واحتضان المنتج الصغير بدل إقصائه، وخلق فرص عمل حقيقية لشريحة لا يستهان بها من المواطنين.
نحن لا نطلب المستحيل، بل مبادرة مدروسة، وإرادة جادة تتبناها جهة قادرة على التنفيذ، حتى لا نرى أبناء هذا الوطن يفترشون الأرصفة والمساحات المفتوحة طلباً للرزق، ولا يُتركون بين مخالفة القانون أو فقدان مصدر الدخل.
ومن هنا، يحدونا الأمل أن يكون تمكين، صاحب هذه المبادرة، وأن تُترجم تطلعات كثير من أبناء هذا الوطن إلى واقعٍ أكثر أماناً واستقراراً، واقع تُقدَّم فيه الوجبة المحلية بحب، وتُؤكل بطمأنينة.