ليست كل الجرائم وليدة لحظة غضب، فبعضها يُصنَع على مهل، ويُغذّى بالصمت، ويكبر مع السنوات حتى يتحول إلى فعلٍ دمويّ مؤجل.
في إحدى قاعات المحاكم، وقف متهمان بقضية قتل آخر من جنسيتهما في البديع أمام القاضي بجمود لافت، دون ارتباك أو ندم، بينما كانت تتلى عليهما تُهم القتل مع سبق الإصرار والترصّد. وحين سُئلا عن الجريمة، جاء الاعتراف مختصراً وصادماً: نعم، قتلناه.. وخططنا لذلك منذ شهرين.
لم تكن الجريمة عشوائية، بل ثأراً مؤجلاً منذ أكثر من عقد. فقبل اثني عشر عاماً، قُتل أحد أقارب المتهمين في موطنهم بإحدى الدول الآسيوية، وكان المجني عليه في هذه القضية مُداناً في تلك الواقعة، وقد عوقب حينها بالسجن. إلا أن نيران الثأر لم تنطفئ، وبقيت مشتعلة في الذاكرة، حتى تحوّلت إلى دافع للانتقام بعد سنوات طويلة.
وفق ما كشفته مجريات المحاكمة، تعمّد المتهمان القدوم إلى مملكة البحرين بعد علمهما بوجود المجني عليه فيها، وشرعا في مراقبة تحركاته اليومية، ومكان إقامته، وأوقات خروجه ودخوله، إلى أن نفّذا جريمتهما.
وعرضت النيابة العامة تسجيلات مصوّرة وثّقت تسلسل الأحداث منذ لحظة الترصّد وحتى وقوع الجريمة، قبل فرار المتهمَيْن من الموقع.
الواقعة لم تمرّ بصمت. صرخات الاستغاثة سمعها الجيران، وكاميرات المراقبة سجّلت التفاصيل، لتسهم في القبض على الجناة خلال فترة وجيزة، وإنهاء محاولتهما الهروب. وخلال التحقيقات وأمام المحكمة، واصل المتهمان اعترافهما دون إنكار.
غير أن القضية لا تقف عند حدود الجريمة ذاتها، بل تفتح باباً واسعاً من التساؤلات. كيف تمكن المجني عليه من دخول البلاد والعمل فيها رغم إدانته السابقة في قضية قتل؟ وما مدى فاعلية إجراءات التحقق من الخلفيات الجنائية للوافدين؟ والأهم، كيف استطاع المتهمان دخول المملكة والتخطيط للجريمة على مدى شهرين وفي ماذا كانا يقضيان وقتهما؟
إنها أسئلة مشروعة لا تقلّ أهمية عن الحكم القضائي ذاته. فقضايا الثأر العابرة للحدود لم تعد شأناً محلياً، بل تحدياً أمنياً وقانونياً يتطلب مراجعة مستمرة لآليات التنسيق الدولي، والتدقيق الأمني، وتبادل المعلومات الجنائية، حمايةً للمجتمع، ومنعاً لتحوّل نزاعات الماضي إلى جرائم تُرتكب في الحاضر.