عملي كقبطان قضى عمره يقرأ صفحات الموج قبل صفحات الكتب، يجعلني أقف اليوم بإجلال وتعظيم أمام سيرة ربان سفينة الوطن الأولى، صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة "عيسى الكبير"، فبعد ما قرأته عن تاريخ البحرين ومؤسس نهضتها الحديثة، أستطيع التأكيد على أن ما قدمه للبحر وأهله لم يكن مجرد قرارات إدارية، بل كان صياغة لهوية أمة ارتبط مصيرها بالبحر منذ ما قبل عصر دلمون.

فلقد أدرك صاحب العظمة الشيخ عيسى الكبير منذ توليه الحكم عام 1869 أن قوة البحرين تكمن في قوة سفنها وصلابة سواعد بحارتها، ولم يكن البحر في عهده مجرد مساحة للصيد، بل كان المحرك الاقتصادي المتكامل الذي يوازن بين الغوص على اللؤلؤ، والتجارة والملاحة، ولعل ما كتب في سجلات ذلك العصر يظهر مدى الطفرة الملاحية الهائلة؛ حيث بلغ عدد سفن الغوص وحدها نحو 900 سفينة في عام 1896، وقفز إجمالي عدد السفن بمختلف أنواعها إلى 1728 سفينة في عام 1907، وهذا ما حول موانئنا إلى محطات رئيسة للتجارة العالمية بين الهند ودول الخليج، ومما أثار فخري كقبطان، هو ذلك الدعم الذي أولاه صاحب العظمة الشيخ عيسى لصناعة السفن، فلم تكتفِ البحرين في عهده ببناء سفنها، بل صدرت الفائض منها؛ لتنافس بها أعرق الموانئ الإقليمية.

لقد علّمنا صاحب العظمة الشيخ عيسى كيف نكون قادة البحار بمهارتنا؛ فكان الصناع الأوائل يستوردون أفضل أنواع الأخشاب ليتفردوا بمنتج يعرف عالمياً وإقليمياً بأنه "صنع في البحرين"، وكان له الفضل بعد الله تعالى في ذلك، لأنه كان البحار والصانع الأول الذي شاهد السفن في موانئ زارها، وشجع على نقل الخبرة والصناعة ومزجها باللمسة البحرينية الأصيلة.

وحين أقرأ عن تاريخ صاحب العظمة وحرصه على متابعة أحوال البحارة والاطمئنان على رحلاتهم للغوص والتجارة والصيد، وتوجيهاته الدائمة للنواخذة والتجار، وتحقيق العدالة في عصره بإنشاء محكمة "سَالفة الغوص"، التي كانت سداً منيعاً يحمي حقوق الغواصين في مواجهة النواخذة والممولين، أشعر وكأنني أستمع لتلك الكلمات وأنا على ظهر سفينة.

لقد سعدت كثيراً بقراءة تفاصيل من تاريخ مؤسس البحرين، ورغم شعوري بأنني لم أكن على علم بكل تلك التفاصيل، إلا أنني أحمل في نفسي فخراً بأنني من أبناء الذين عاصروا هذا الحاكم العظيم، واليوم أنا أحمل على عاتقي مهمة نقل هذا التاريخ إلى موانئ وبحار العالم ليعرفوا كيف كانت البحرين قديماً، أول دولة تضع أسس صناعات البحر وتقيم العدالة بين العاملين فيه.

لقد رحل الشيخ عيسى الكبير، ولكن صدى توجيهاته يظل يتردد في أمواج البحرين، وسفنه التي مخرت العباب بفضل رؤيته التي لا تزال تلهمنا وتلهم شباب اليوم بأن تاريخ الشيخ عيسى الكبير هو أعظم "بوصلة" لهم لمواصلة هذا الإرث العظيم وبأن "من يملك البحر، يملك المستقبل".

* قبطان - رئيس تحرير جريدة "ديلي تربيون" الإنجليزية