يشهد الذكاء الاصطناعي (AI) نمواً متسارعاً يُحدث تحوّلاً جذرياً في مختلف القطاعات، ولا تُعدّ علوم الرياضة استثناءً من ذلك. فمن تحليل الأداء إلى الوقاية من الإصابات وإعادة التأهيل، يمتلك الذكاء الاصطناعي إمكانات هائلة لإعادة تشكيل أساليب تدريب الرياضيين وإدارتهم. ومن خلال توظيف البيانات الضخمة وخوارزميات التعلّم الآلي، أصبح بإمكان علماء الرياضة تقديم رؤى أعمق حول أداء الرياضي وصحته ورفاهيته العامة، بما يفضي إلى برامج تدريبية أكثر تخصيصاً وفعالية. ومع ذلك، فإن الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي يصاحبه عدد من التحديات، من أبرزها مخاطر خصوصية البيانات، والقضايا الأخلاقية، والتكاليف المالية التي قد تحدّ من إمكانية الوصول العادل إلى هذه التقنيات.

- تقاطع الذكاء الاصطناعي مع علوم الرياضة:

اعتمدت علوم الرياضة تقليدياً على مزيج من البحث التجريبي والخبرة العملية لتحسين الأداء الرياضي. غير أنّ الكمّ الهائل من البيانات التي تُنتجها الأجهزة القابلة للارتداء، وتقنيات تحليل الفيديو، وغيرها من الوسائل الحديثة، جعل تحليل هذه البيانات وتفسيرها مهمة معقّدة. وهنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي، حيث تستطيع خوارزميات التعلّم الآلي معالجة كميات ضخمة من المعلومات، واكتشاف الأنماط والعلاقات التي قد لا تكون واضحة للعين البشرية. وبهذا، يسهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز الأساليب التقليدية لعلوم الرياضة من خلال جعلها أكثر دقة وكفاءة.

- مراقبة الأداء وتعزيزه:

تُعدّ مراقبة الأداء وتعزيزه من أكثر المجالات التي يُتوقّع أن يُحدث فيها الذكاء الاصطناعي تأثيراً ملموساً. ففي السابق، كان علماء الرياضة يعتمدون على الملاحظة اليدوية، وتحليل مقاطع الفيديو، والاختبارات الدورية لتقييم أداء الرياضيين. أما اليوم، فقد نقل الذكاء الاصطناعي هذه العملية إلى مستوى أكثر تقدماً.

إذ باتت الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل أنماط الحركة في الزمن الحقيقي، بالاستفادة من بيانات الأجهزة القابلة للارتداء، وأنظمة تحديد المواقع (GPS)، وتدفّقات الفيديو. كما تستطيع نماذج التعلّم الآلي تتبّع المؤشرات البيوميكانيكية مثل طول الخطوة، وزمن ملامسة الأرض، ومعدلات التسارع، لتقديم تغذية راجعة دقيقة للرياضيين والمدربين. وتتيح هذه التحليلات الفورية إجراء تعديلات مباشرة على البرامج التدريبية، بما يضمن تحسين الأداء بأقل تأخير ممكن (López-Valenciano وآخرون، 2020). فعلى سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي التنبؤ بنقطة وصول الرياضي إلى حالة الإرهاق استناداً إلى بيانات الأداء السابقة، واقتراح تعديلات تقلل من مخاطر الإصابة أو تراجع المستوى.

- البرامج التدريبية المخصصة:

تُعدّ القدرة على تصميم برامج تدريبية فردية من أبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعي الواعدة في علوم الرياضة. فلكل رياضي خصائصه الفريدة، وقد يؤدي اعتماد نهج موحّد إلى الحد من إمكاناته أو التسبب في الإفراط في التدريب والإصابة. ويمكن للذكاء الاصطناعي معالجة بيانات متعددة المصادر، مثل المؤشرات الحيوية، وسجل الأداء، وحتى التقييمات النفسية، لبناء خطة تدريبية مصمّمة خصيصاً لتلبية احتياجات كل رياضي.

كما يساعد الذكاء الاصطناعي على تحديد نقاط القوة والضعف بدقة أعلى، مما يمكّن المدربين من التركيز على الجوانب التي يتفوّق فيها الرياضي أو يحتاج إلى تطويرها. ومن خلال تحليل الجلسات التدريبية السابقة، تستطيع الأنظمة الذكية التنبؤ بكيفية استجابة الرياضي للجلسات المستقبلية، وإجراء التعديلات اللازمة على شدة التدريب أو مدته أو نوعه، بما يحقق أقصى استفادة ممكنة مع تقليل مخاطر الإصابة.

- الوقاية من الإصابات وإعادة التأهيل:

تمثل الوقاية من الإصابات وإعادة التأهيل محورين أساسيين في علوم الرياضة، وقد بدأ الذكاء الاصطناعي بالفعل في إحداث تقدم ملحوظ في هذا المجال. ومن أهم مزاياه قدرته على التنبؤ بالإصابات قبل وقوعها. إذ تقوم خوارزميات التعلّم الآلي بتحليل البيانات البيوميكانيكية للرياضي وسجله السابق من الإصابات لاكتشاف الانحرافات الطفيفة التي قد تشير إلى خطر وشيك. فعلى سبيل المثال، إذا بدأ نمط جري الرياضي بالتغيّر تدريجياً نتيجة الإرهاق، يمكن لنظام الذكاء الاصطناعي رصد هذا التغيّر في وقت مبكر، وتنبيه المدربين والمعالجين لاتخاذ الإجراءات اللازمة وتعديل الحمل التدريبي بما يحدّ من احتمالية الإصابة.