قد أكون، ومعي أبناء جيلي، من أكثر الأجيال حظاً في البحرين، حيث ترافق صدور ميثاق العمل الوطني مع دخولنا ميدان العمل الإعلامي، مما وفر لنا مساحات كبيرة من الحرية والإبداع، إلى جانب انطلاق العديد من المؤسسات الإعلامية الوطنية، كإحدى ثمار الميثاق، والتي نجحت في استقطاب العشرات من الإعلاميين الشباب.

الحديث عن الميثاق اليوم، بمناسبة مرور ربع قرن على صدروه، يمثل فرصة سانحة لاستذكار كثير من المحطات التي مرت بها البحرين خلال السنوات الماضية، وفي مختلف القطاعات؛ السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والإعلامية..، والتي لاتزال تتواصل إلى اليوم، ويلتمسها المواطن كل يوم في مختلف مناحي الحياة.

ولأن الميثاق، الفكرة والتطبيق، لا يمكن استيعابها في مقالة أو حتى عدة مقالات؛ إلا أن الواجب يتحتم علينا كإعلاميين أن نضيء على جوانب هذه المسيرة، والتي انطلقت برؤية ثاقبة وإرادة حكيمة من لدن جلالة الملك المعظم، إيماناً من جلالته بأن أبناء البحرين يستحقون الأفضل، وأن الوطن كان ولايزال وسيظل موضع الفخر والاعتزاز لكل أبنائه.

ولأنني ممن عاصروا الميثاق مع بداية عملي الإعلامي؛ فلابد لي أن أشير إلى ما أنجزته سنوات الميثاق في المجال الإعلامي؛ حيث انطلقت العديد من المؤسسات الصحافية الوطنية، والتي عكست أهمية وحجم الحراك الوطني الذي رافق صدور الميثاق، مما أسهم في خلق حراك ثقافي إعلامي وطني، ونقاشات راقية وحرة على مختلف المواقع الإعلامية، كان لها الأثر في التأكيد على أن هذا الوطن قادر على استيعاب كل الأفكار والآراء، وبما يخدم البحرين، أولاً وأخيراً.

ومع اتساع الحراك الوطني لم يعد الإعلام مجرد ناقل للخبر، بل أصبح شريكاً في صناعة الوعي، حيث ارتفع سقف الحريات، ووجد الصحفي نفسه أمام مسؤولية أكبر بالموازنة بين الجرأة والانتماء، بين النقد والبناء، وأن يمارس حقه في إبداء الرأي ضمن إطار وطني يحترم الثوابت ويحتفي بالتعدد، حيث كانت روح الميثاق حاضرة كمرجعية تذكرنا أن الاختلاف لا يُفسد للوطن قضية.

بعد خمسة وعشرين عاماً، يمكنني التأكيد أن ميثاق العمل الوطني مثل محطة مفصلية أعادت تعريف دور الكلمة والصورة، ورفعت منسوب الثقة بين الإعلام والدولة والمجتمع، وما نلمسه اليوم من حيوية في الحراك الإعلامي، ومن حضور لآراء متعددة تحت سقف الوطن، هو امتداد طبيعي لذلك الخيار التاريخي. إنها قصة وطن اختار أن يمنح أبناءه مساحة أوسع ليحلموا، وليكتبوا، وليختلفوا بمحبة.. وتبقى البحرين دائماً في القلب أولاً وأخيراً.