نعم، الحياة ليست عادلة دائماً، هذه حقيقة يدركها كثيرون حين يواجهون ظروفاً لا تنسجم مع توقعاتهم أو جهودهم.
غير أن الاعتراف بقسوة الواقع لا يعني الاستسلام لدوامة الشكوى المستمرة؛ فالإفراط في التذمر لا يخفف الألم، بل يزيده ثقلاً، ويجعل الإنسان يرى العالم من زاوية ضيقة.
الإيجابية هنا لا تعني إنكار الصعوبات أو تزييف المشاعر، بل تعني اختيار طريقة النظر إلى الحياة، رغم ما فيها من تحديات، والبحث عن المعنى وسط التفاصيل اليومية التي قد تبدو عابرة.
مثلا، داخل ممرّات مستشفى، ظهرت أم شابة تحمل وجعها بصمت، لكنها اختارت أن تبتسم لطفلها الذي قدّم لها رسمة بسيطة تجمعهما تحت شمس مشرقة.
تلك الابتسامة لم تكن دليلاً على غياب الألم، بل علامة على قوة داخلية قررت أن تعيش اللحظة بدل أن تستسلم لثقلها.
مشهد يؤكد أن الإيجابية ليست شعاراً فارغاً، بل موقفاً واعياً يُبقي للإنسان قدرته على الفرح حتى في أصعب الظروف.
كثيراً ما ننسى قيمة النعم التي تحيط بنا لأنها تبدو عادية؛ فالصحة لا تُقدَّر إلا عند المرض، والأمان لا يُلاحظ إلا حين يغيب، ووجود الأحبة يُؤخذ كأمرٍ مسلم به حتى يفاجئنا الفقد.
لذلك يصبح الامتنان الواعي خطوة أساسية في بناء نظرة متوازنة للحياة.
ليس المطلوب أن يخلو الإنسان من الحزن أو القلق، بل أن يتجنب تحويلهما إلى هوية دائمة تُغلق أبواب الأمل، وتُضعف القدرة على الاستمرار.
همومنا اليومية بطبيعتها لا تنتهي، وقد لا تمنحنا الدنيا ما نريد حين نريد، بل ربما لا نحصل عليه رغم السعي.
غير أن ذلك لا يعني أن نحيا أسرى للحزن المستمر؛ فحين يُهوِّن الإنسان الأمر على نفسه، يجد أن في حياته جوانب تستحق الامتنان.
من يتمتع بالصحة قد يجهل قيمة ما يملك حتى يرى من يصارع المرض، ومن يشتكي من وظيفة متواضعة قد ينسى أن غيره يبحث عن فرصة عمل بلا جدوى.
المقصود ليس مقارنة الألم بالألم، بل استبدال الإحباط بالأمل، وتدريب النفس على رؤية ما هو متاح بدل الوقوف عند ما هو مفقود، فحتى في لحظات الحزن يمكن للإنسان أن يعثر على بذرة فرح صغيرة تمنحه قدرة على الاستمرار.
الشكوى المستمرة تدرّب العقل على رؤية النقص فقط، بينما تمنح الإيجابية مساحة لاكتشاف ما يمكن فعله بدل الاكتفاء بوصف ما لا يمكن تغييره.
تبدأ هذه الإيجابية من تفاصيل بسيطة، كلمة طيبة، لحظة تأمل، إنجاز صغير، أو قرار بتقدير ما هو متاح.
الإيجابية ليست إنكاراً للواقع، بل طريقة إنسانية للتعامل معه، دون أن يفقد الإنسان روحه، فالعمر لحظات لا تعود، واختيار كيف نعيش حياتنا يظل القرار الأهم الذي نصنعه كل يوم.