في الأزمة التي تمر بها المنطقة نظير العدوان الإيراني الغاشم على دول الخليج العربي يظهر خطاب يتعامل مع سقوط الصواريخ على الخليج العربي بوصفه حدثاً يمكن تفسيره بسهولة، وهذا الخطاب لا ينشغل كثيراً بخطورة الصاروخ نفسه، وإنما يبحث عن معادلة فكرية تمنح القصف معنى سياسياً مقبولاً يرضي أيدولوجيته التي لا تضع وطنه بطبيعة الحال في المقام الأول.
وأكثر الصيغ شيوعاً تقول إن وجود قواعد عسكرية أمريكية في الخليج العربي يجعل المنطقة هدفاً طبيعياً للهجوم، فتُطرح الفكرة وكأنها قانون جغرافي بسيط، قاعدة عسكرية يقابلها تبرير لتكون هدفاً للصواريخ، غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة واضحة في النظام الدولي المعاصر؛ فالقواعد العسكرية الأجنبية تنتشر في عشرات الدول حول العالم، في أوروبا وآسيا وشرق آسيا، ضمن ترتيبات أمنية معروفة بين الدول، وجود القاعدة في حد ذاته لا يمنح أي طرف حق تحويل المدن إلى مسرح للصواريخ.
صيغة أخرى تحاول تفسير الخطر بطريقة مختلفة، فحين يسقط صاروخ قرب منطقة سكنية يظهر تفسير يقول إن الصاروخ كان متجهاً نحو هدف عسكري، وأن اقترابه من الأحياء السكنية نتيجة اعتراضه في الجو، تتحول المسؤولية هنا من إطلاق الصاروخ إلى محاولة إيقافه، وكأن الدفاع الجوي هو سبب الخطر وليس الصاروخ نفسه.
هناك أيضاً خطاب ثالث يتجنب إدانة القصف أصلاً، أصحاب هذا الخطاب ينظرون إلى إيران بوصفها جزءاً من محور يرفع شعار مواجهة إسرائيل، ومن هذه الزاوية يصبح الحديث عن الهجوم على الخليج موضوعاً ثانوياً في ميزان الصراع الأكبر، وفي هذه القراءة تتحول الصواريخ إلى تفاصيل جانبية في معركة رمزية أوسع.
غير أن الواقع كثيراً ما يكشف هشاشة هذه المعادلات، فعندما استُهدفت منشأة بابكو النفطية في منطقة المعامير في البحرين، كان الموقع محاطاً بأحياء سكنية يعيش فيها آلاف الناس، وهنا يظهر سؤال مباشر لا يحتاج إلى تأويلات سياسية معقدة، أين القاعدة العسكرية في هذه المنطقة؟ وأي منطق يفسر سقوط صاروخ قرب منشأة صناعية نفطية وسط مجتمع مدني؟
وهذا السؤال يكشف جوهر المشكلة في الخطاب الذي يبرر القصف، المدن ليست نقاطاً على خريطة التحليل السياسي، والمجتمعات لا يمكن اختزالها في معادلات المحاور، والصاروخ حين يعبر السماء يمر فوق بيوت وأسواق ومدارس، ويمر فوق حياة كاملة لا علاقة لها بالشعارات التي يتداولها المحللون والمنحازون لكل شيء إلا وطنهم.
المغالطات كثيرة، والحقيقة واضحة، فأي صاروخ يعبر حدود دولة هو عدوان عليها، وأي محاولة لتبرير ذلك تتحول إلى سعي لشرعنة استباحة سيادتها، فالسيادة موقف ثابت لا يخضع للمساومة، والتجربة في المنطقة تكشف أن منطق إيران يقوم على سجل طويل من تصدير الصراعات إلى محيطها الإقليمي، عبر تحويل أراضي الجوار إلى ساحات رسائل عسكرية وصراعات غير مباشرة.
كما أن وجود قواعد أجنبية في البحرين خيار سيادي تتخذه الدولة وفق مصالحها الأمنية، وهو شأن تنظمه العلاقات الدولية بين الدول، وهذا الواقع لا يمنح أي طرف خارجي حق الاعتداء أو إطلاق الصواريخ عبر الحدود، الهجوم الإيراني يمثل استهدافاً مباشراً لدولة ذات سيادة، والمسؤولية القانونية والأخلاقية عن أي تهديد يطال المدنيين تقع على الطرف الذي يطلق الصواريخ، وأي خطاب يتغاضى عن هذه الحقيقة يفتح الباب أمام شرعنة استباحة أوطاننا تحت ذرائع متغيرة.
تمر منطقتنا بمرحلة دقيقة، والمشهد يذكّر بحقيقة يعرفها أبناء الخليج جيداً، فالخليج جغرافيا متصل في الأمن كما هو متصل في الاقتصاد، وأي صاروخ يمر في سماء مدينة يترك ظله في سماء مدن أخرى.
نسأل الله أن يحفظ البحرين والخليج العربي وأهله، وأن يصون خليجنا العربي من الفتن والحروب.