كان زمناً جميلاً.. زمناً عشناه لا كخبرٍ يُروى، بل كتجربةٍ سكنت الذاكرة. رأينا فيه الأمل وعداً، والمستقبل ملامح واضحة في خطاب قائدٍ قرر أن يبدأ أولى سنوات حكمه بخارطة طريق، لا شعارات عابرة.
في مطلع الألفية، كنا نحن شباب البحرين نقف عند مفترق طرق. مرحلة لم تكن في الحسبان، وتساؤلات أكبر من أعمارنا.
ثم جاء حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، بمشروعٍ إصلاحي تجاوز سقف التوقعات، وأعاد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. وعدٌ بأن يكون المواطن شريكاً في البناء، وصوتاً في الاختيار.
كنا في أوائل العشرينيات، ولم يكن يخطر ببالنا أن يكون للشباب دور في تحديد اتجاهات المستقبل. أن نختار؟ أن نُشارك؟ كان الأمر أقرب إلى الحلم منه إلى الواقع. لكن الحلم يومها تحوّل إلى ممارسة.
أطلق القائد جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة مرحلة جديدة في تاريخ البحرين، عنوانها المساواة وتكافؤ الفرص، وأن الوطن يتسع للجميع. وكانت الخطوة الأولى، التصويت على ميثاق العمل الوطني.
مازلت أسترجع تفاصيل ذلك اليوم. طوابير منتظمة، وجوه باسمة، وأجواء يغمرها شعور عالٍ بالفخر. البحرين يومها لم تكن فقط تُصوّت، بل كانت تُعرّف نفسها من جديد.
الجميع يهتف باسم الوطن، والجميع يردد بعفويةٍ صادقة، «عاش حمد». كان الصوت واحداً، والنبض واحداً، والإحساس بأننا نشارك في صناعة لحظة تاريخية لا تتكرر كثيراً.
أتذكر عند الظهيرة دخولي مبنى بنك البحرين والكويت في المنامة، حيث وُضعت صناديق التصويت.
كان أحد المنظمين يقف قرب الصندوق، بابتسامة هادئة. وقد تحدثت معه، وقال لي، يا ولدي، هذا حق حصلت عليه اليوم. رأيك قرارك، لا أحد يتدخل فيه، فقط احرص أن يكون أثره طيباً لك ولمن يأتي بعدك.
توقفت عند عبارته. شعرت يومها بقيمة الصوت، وبأن المشاركة ليست إجراءً، بل مسؤولية.
كان صوتي واحداً بين آلاف الأصوات، لكنه بدا لي لبنة في صرحٍ يتشكل.
اليوم، وميثاق العمل الوطني يعيش عامه الخامس والعشرين، نستطيع أن ننظر إلى الخلف بثقة.
بلدٌ تحكمه المؤسسات، وتُنظم مسيرته القوانين، والمواطن فيه طرفٌ أصيل في التشريع والرقابة وصناعة القرار.
لم تكن الوعود عاطفية، بل مساراً ممتداً.
واليوم، حين أرى أبناء جيلي وقد أصبحوا آباءً، وأبناؤهم يمارسون حقاً لم يكن في مخيلتنا يوماً، أدرك أن بعض اللحظات لا تُقاس بحجمها في وقتها، بل بامتدادها في الزمن.
شكراً لجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة على أننا كنا جزءاً من تلك اللحظة المفصلية.
كنا شهوداً على بداية إصلاحٍ لم يتوقف، وعلى نهضةٍ سنحكيها لأبنائنا لا باعتبارها قصة، بل تجربة عشناها.
قائد وعد.. وأنجز.