قال لي أحد الأصدقاء قبل أيام، وبنبرة مفعمة بالشوق: «ما بقى شي على رمضان». لم أتمالك نفسي وقلت له فوراً: «أنت بالذات لا تصوم!». فتح عينيه بدهشة وقال: «شدعوة؟ ترى مو من كفار قريش!»، فأجبته ضاحكاً: «عض سوالفكم إبليس نفسه يستحي يسويها».

لم يكن الكلام تجريحاً، بل خلاصة مشاهد تتكرر كل عام، حتى صار رمضان عند البعض موسماً للشعارات، لا للتغيير.

مع اقتراب الشهر الفضيل، تمتلئ هواتفنا بالتصاميم اللامعة والدعوات الجميلة، وكأننا على موعد مع نسخة مثالية من أنفسنا. لكن ما إن يبدأ الصيام حتى تظهر نسخة أخرى، وجوه عابسة في الطرقات قبل الأذان، موظف يختصر المعاملة وكأنه يمنّ عليك، وسائق يظن أن الإشارة الحمراء مؤامرة شخصية ضده لأنه «صايم». فجأة يتحول الصيام من عبادة تهذيب إلى تصريح مجاني بالعصبية.

لا أحد ينكر أن الصيام يرهق الجسد، وأن من اعتاد القهوة أو التدخين قد يمرّ بتقلبات مزاجية، لكن المثير للسخرية أن بعضنا يتعامل مع ذلك كأنه رخصة أخلاقية مؤقتة. يرفع شعار «أنا صايم» وكأنه بطاقة حصانة تبرر الجفاء أو التقصير. هنا لا تكمن المشكلة في رمضان، بل في فهمنا الانتقائي له، نأخذ منه الامتناع عن الطعام، ونترك الامتناع عن الأذى.

المجتمع بات يعرف هذه المفارقة جيداً؛ فهناك صائم يزداد هدوءاً وابتسامة، وكأن الجوع صقل روحه، وصائم آخر يدخل في سباق يومي مع أعصابه، وكأن هدفه الوحيد الوصول إلى الإفطار دون أن يختبر نفسه. الأول يجعل رمضان أجمل لمن حوله، والثاني يجعل الناس تعدّ الدقائق حتى يهدأ مزاجه.

الأطرف أن بعض أكثر الناس حديثاً عن الفضيلة في رمضان هم أنفسهم من يختبرون صبر الآخرين. خطبٌ عن الأخلاق في المجالس، ومنشورات عن التسامح في وسائل التواصل، ثم في الواقع كلمة جارحة أو تصرف متعالٍ عند أول اختبار بسيط. هنا تظهر فجوة خطيرة بين ما نقوله وما نعيشه؛ فالدين لا يُقاس بحجم الكلمات، بل بطريقة تعاملنا حين نكون متعبين.

ربما لا يصح أن نقول لأحد «لا تصم»، لكن من حقنا أن نسأل، ما قيمة صيام لا ينعكس على سلوك صاحبه؟! العبادة التي تُشعر الناس بالتوتر تناقض غايتها، والمسلم الحقيقي هو من يشعر الآخرون بالراحة في حضوره، لا بالحذر من ردّة فعله.

رمضان سيبقى موسماً للجمال والعطاء، لأن فيه آلاف القصص المضيئة التي لا تُرى في الضجيج اليومي. لكننا نحتاج أيضاً إلى شجاعة الضحك على تناقضاتنا، والاعتراف بأن بعض العادات الاجتماعية تحتاج إلى مراجعة صادقة. فليس من العدل أن يتحول الشهر الذي جاء ليهذب النفوس إلى منصة لاستعراض الفضيلة بالكلام فقط.

السؤال ليس هل صمنا؟! بل: هل تغيّرنا؟! لأن الصيام الحقيقي لا يظهر في عدد الساعات التي صبرنا فيها عن الطعام، بل في عدد المرات التي اخترنا فيها أن نكون ألطف، ونحن صائمون.