خلال يومين فقط، قدّمت البحرين نموذجاً عملياً لكيف يمكن لقطاع الطيران أن يتحوّل من خدمة لوجستية إلى أداة استراتيجية تعيد رسم موقع الدولة على خارطة المنطقة. لم تكن القرارات والإعلانات التي صدرت مجرد أخبار عابرة، بل مؤشرات واضحة على رؤية متكاملة تُدار بثبات، وتستهدف تعزيز مكانة المملكة كمركز إقليمي متقدم للطيران والسياحة.

انطلاق المرحلة الأولى من نظام «نقطة السفر الواحدة» جواً بين البحرين والإمارات لم يكن مجرد إجراء تنظيمي لتسهيل عبور المسافرين، بل خطوة نوعية تعكس عمق التكامل الخليجي.

ففي الاجتماع الاعتيادي الأسبوعي لمجلس الوزراء برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، جرى الترحيب بتفعيل النظام الذي يتيح إنهاء إجراءات السفر من نقطة واحدة دون المرور المتكرر على منافذ التدقيق، على رحلات طيران الخليج والاتحاد للطيران بين مطار البحرين الدولي ومطار زايد الدولي في أبوظبي.

هذه الخطوة تتجاوز بعدها الإجرائي؛ فهي تعزز مفهوم «السفر الخليجي السلس»، وتفتح الباب أمام تعميم التجربة بين بقية دول مجلس التعاون، بما ينعكس إيجاباً على حركة السياحة البينية، ويمنح المسافر الخليجي تجربة أكثر مرونة وسرعة، والتأكيد على التكامل بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

وقبل ذلك بيوم، جاء إطلاق الاستراتيجية الوطنية للطيران (2026–2027) تحت شعار «نبني جسوراً إلى العالم ومن أجل العالم»، على يد الدكتور الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة وزير المواصلات والاتصالات، ليؤكد أن ما نشهده ليس خطوات متفرقة، بل مساراً مدروساً.

الاستراتيجية وضعت أهدافاً واضحة: تحويل مطار البحرين الدولي إلى مركز عالمي للتميّز، وتوسيع شبكة الوجهات من 66 إلى 100 وجهة بحلول عام 2030، وتعزيز موقع المملكة في مجالات الصيانة والإصلاح والتشغيل والخدمات اللوجستية.

اللافت أن الطموح لا يقف عند زيادة عدد الرحلات، بل يتجه نحو إعادة تعريف دور البحرين في منظومة الطيران الإقليمية؛ من محطة عبور إلى منصة تشغيل واستثمار.

وهذا ما يعكسه توقيع خطاب النوايا مع شركة BeOnd Airline، التي أعلنت خططًا لتعزيز حضورها في البحرين بإدخال 15 طائرة بحلول عام 2032 وتسيير رحلات مجدولة انطلاقاً من المملكة، إضافة إلى التعاون مع شركة The Helicopter Company لتسيير رحلات مدنية بين البحرين والدمام.

هذه الشراكات ليست تفصيلاً ثانوياً، بل مؤشراً على ثقة الشركات الإقليمية والدولية في البيئة التنظيمية والبنية التحتية التي وفّرتها البحرين.

ما يجري اليوم هو حصاد لعمل تراكمي استثمر في تحديث البنية التحتية، وتطوير التشريعات، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

والنتيجة أن البحرين لم تعد تكتفي بمواكبة التحولات في قطاع الطيران، بل تسعى إلى أن تكون جزءاً من صياغتها.