الأهداف التي تضعها الدولة أو مؤسساتها لا تتحقق بمجرد صياغتها في الخطط والاستراتيجيات، بل تتجسد عبر منظومة إدارية كفؤة ترتقي بالأداء وتحسن المخرجات. غير أن الواقع العملي لا يخلو من التحديات التي تواجه أي عمل جاد، مهما بلغت دقته أو إحكامه.

لهذا السبب أولت حكومات عديدة اهتماماً متزايداً بعملية الإصلاح الإداري، باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه عمليات التطوير السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

ولم يعد الإصلاح يُنظر إليه كمشروع مؤقت يعالج خللاً طارئاً، بل كحراك مستمر يسعى إلى التحسين الدائم، إذ إن التطوير لا يرتبط بوجود الأخطاء فحسب، بل بضرورة مواكبة المتغيرات المتسارعة في العالم.

في إحدى الوزارات الحكومية الكبرى، كان الموظفون يعملون في روتين يومي متكرر، لا يتغير فيه سوى مرور الوقت وتراكم الملفات. كانت المنظومة تقليدية، والمخرجات محدودة، والرضا الوظيفي في أدنى مستوياته. وسط هذا المشهد برز مدير شاب، يؤمن بأن الإصلاح ثقافة عمل متجددة.

عندما تولّى إدارة التخطيط والتطوير، لم يبدأ بإصدار القرارات أو تعديل اللوائح، بل طرح سؤالاً بسيطاً: ”لماذا نقوم بهذا العمل بهذه الطريقة؟! وهل يمكن أن نؤديه بصورة أفضل؟!».

بدا السؤال في البداية مستفزاً ومثيراً للدهشة، لكنه فتح باباً لحوارات صريحة، وورش عمل استمع فيها إلى الجميع، من أصغر موظف إلى كبار المستشارين.

تكشف له أن بعض الإجراءات تستغرق أسابيع بسبب مرورها على مكاتب متعددة بلا مبرر حقيقي، وأن لدى الموظفين أفكاراً مبتكرة، لكنها تظل حبيسة الصمت. فأنشأ منصة داخلية تتيح للجميع تقديم مقترحاتهم مباشرة، واعتمد نظاماً شفافاً لمتابعة مؤشرات الأداء، لا بهدف المحاسبة فقط، بل من أجل التحسين المستمر.

بعد عامين من العمل المتدرج والمدروس، تبدلت بيئة العمل جذرياً. ارتفعت كفاءة الإنجاز بنسبة 45%، وتحسن رضا المستفيدين، وأصبحت الوزارة نموذجاً يُحتذى به في التحول الإداري. غير أن الإنجاز الأهم لم يكن في الأرقام، بل في ترسيخ قناعة جديدة داخل المؤسسة.

كان هذا المدير الشاب يردد في كل اجتماع شهري عبارة أصبحت شعار الفريق: ”لسنا هنا لننهي الإصلاح، بل لنبدأه كل يوم من جديد».

هكذا تحولت عملية الإصلاح من مبادرة مؤقتة إلى ثقافة مؤسسية راسخة، لا تنتظر الخطأ لتتحرك، بل تبادر لمنعه، وتسعى دوماً إلى الأفضل حتى في غياب الأزمات.

الإدارة التي تطمح إلى التميز لا تكتفي بمعالجة الخلل، بل تجعل من التحسين المستمر نهجاً دائماً لا ينقطع.