ما إن أُعلن ثبوتُ رؤية الهلال في البحرين، حتى تعالت التهاني بين الناس، وضجّت منصّات التواصل برسائل التبريكات، في انعكاسٍ صادقٍ لروح الألفة التي تُميّز المجتمع البحريني. وتزيّنت الشوارع والبيوت بالفوانيس والأنوار لقدوم ضيفٍ لا يشبه سواه؛ يحمل في حقائبه سكينةً تُهذّب الروح، ودفئاً يُرمّم العلاقات، ووقتاً يعلّمنا أن أجمل ما في هذه الأيام قربُنا من الله واجتماعُنا على الخير.
في شهر رمضان المبارك؛ تتجاور العبادة مع العادات البحرينية الأصيلة في صورةٍ متوازنة: مساجد عامرة بالتراويح، وقلوب تستأنف علاقتها بالقرآن، وأُسرٍ تحرص منذ الأسبوع الأول على زيارة كبار العائلة توثيقًا لصلة الرحم؛ لتبقى العائلة هي المعنى الأول للشهر الكريم. وحين تقترب ساعات الغروب، يصبح البيت مركز الكون الصغير؛ تتهيأ المائدة كما لو أنها وعدٌ بالبركة، وتبدأ عادةً بالتمر واللبن أو الماء والقهوة العربية ثم شوربةٍ دافئة، قبل أن يجتمع الجميع بعد صلاة المغرب حول أطباقٍ تحفظ ذاكرة المكان: الهريس والثريد والجريش واللقيمات والكباب والخنفروش، في طقسٍ لا يكتفي بالشبع بل يوقظ الامتنان.
وتتجلى روح البحرين الاجتماعية في تفاصيل صغيرة لكنها عظيمة الأثر: «نقصة رمضان» التي تسبق الشهر وتُعيد ترتيب فكرة المشاركة في البيوت، وتبادل الأطباق بين الجيران والأقارب طوال الأيام المباركة؛ فكل طبقٍ يعبر العتبة رسالة محبة، وكل هدية طعام تعلن أن المجتمع لايزال يعرف طريقه إلى التكافل.
كذلك يزداد النبض الروحاني والثقافي في رمضان عبر الندوات والمحاضرات وحلقات الذكر وتلاوة القرآن وتدبّره، إلى جانب البرامج والدورات والمسابقات والختمات التي تشرف عليها الجهات المختصة، فتتحول المساجد والمراكز إلى مدارس إيمانٍ يومية تشرح للناس كيف يُترجم الصوم إلى خُلُق، وكيف تتحول العبادة إلى سلوكٍ في العمل والبيت والشارع.
ثم تأتي المجالس الرمضانية بوصفها قلب المجتمع البحريني في هذا الشهر الكريم؛ مجالس تُدار فيها أحاديث الناس باحترامٍ وودّ، وتمتزج فيها الخبرة بالحكاية، والهمّ العام بالنصيحة الصادقة. ومن رحم هذه المجالس تولد «الغبقة»؛ موعدٌ ليليّ يلتف فيه المدعوون على طعامٍ وذكريات، حتى اقتراب السحور، وقد تتسع لتجمعات مؤسساتية في الشركات والنوادي، فتؤدي دوراً لطيفاً في تعزيز الروابط خارج الرسميات.
ولا يكتمل المشهد دون الإعلام المحلي الذي يخصص في رمضان مساحات للبرامج الدينية والثقافية والمواد الدرامية المتنوعة، فيسهم في إثراء الوعي العام وإحياء القيم، ويمنح الشهر حضوراً يومياً يتجاوز الشاشة إلى السلوك.
ومع تقدّم الأيام، تتبدّل إيقاعات الليل؛ فبعد الإفطار والتراويح يخرج كثيرون إلى الأسواق القديمة في المنامة والمحرق والرفاع، حيث تمتد رائحة القهوة والبهارات، وتزدحم الأرصفة بوجوهٍ تعرف بعضها بعضًا حتى وإن لم تتبادل الأسماء. وفي منتصف الشهر يترقّب الأطفال «القرقاعون» بملابسهم الشعبية وأهازيجهم، فيتحول الفرح إلى درسٍ اجتماعي مبكر: أن العطاء جزء من الهوية، وأن البيوت تتشارك البسمة قبل أن تتشارك الحلوى.
ولا يغيب عن رمضان في البحرين وجهه الإنساني؛ إذ تنشط المبادرات الخيرية وموائد الإفطار وتوزيع السلال الغذائية، وتتعاظم قيمة الصدقة بوصفها جسراً بين القدرة والحاجة، وبين من يملك الوقت ومن ينتظر الفرج. وفي العشر الأواخر، حين يخف صخب المجالس وتعلو همّة القلوب، تتجه الأنظار إلى التهجّد والدعاء واغتنام ليلة القدر، فيشعر المرء أن الشهر يعلّمه ترتيب الأولويات: أن العمل مهم، لكن تهذيب النفس أهم، وأن أجمل نجاحٍ هو أن يخرج الإنسان من رمضان أخفّ قلبًا وأصفى ضميراً وأقرب لله.
هكذا يبقى رمضان في البحرين تجربةً تُعاش أكثر مما تُوصف: شهراً تُضاء فيه البيوت بالحب كما تُضاء المساجد بالقيام، وتراثٌ حيّ يتجدد كل عام بملامح الناس ذاتها وإن تغيّرت التفاصيل. نسأل الله أن يديم على وطننا الغالي أمنه وأُلفته، وأن يجعل هذا الشهر الكريم باباً أوسع للخير والسكينة والبركات.. وشهركم مبارك.