قبل أكثر من 100 عام؛ سجلت البحرين حضوراً وتميزاً في مسيرة التعليم بإنشاء أول مدرسة نظامية في عام 1919، لتكون بذلك الدولة السباقة والرائدة في المنطقة، لتتواصل بعد ذلك الإنجازات الكبرى في قطاع التعليم بمختلف مراحله، وصولاً إلى التعليم العالي، والذي شهد أيضاً قفزات نوعية ساهمت في أن تتبوأ مملكة البحرين مكانتها المستحقة في هذا القطاع.

وبالتأكيد، فإن الحديث عن مسيرة التعليم النظامي في المملكة، واستعراض ما تم تحقيقه من إنجازات، قد يحتاج إلى عشرات المقالات، لما فيه من تفاصيل ومبادرات، وما شهده هذا القطاع الحيوي من تطور على مدى أكثر من قرن من الزمن.

حديثي اليوم سيقتصر على الخطوة الكبيرة التي قامت بها وزارة التربية والتعليم، بقيادة الوزير الدكتور محمد بن مبارك جمعة، والذي كان حريصاً على تطوير المنظومة التعليمية الحكومية، لتواكب ما يشهده العالم من تطورات، خصوصاً مع الثورة التكنولوجية، وما طرأ على طبيعة العملية التعليمية واحتياجاتها المختلفة.

لذلك، فقد كان توقيع وزارة التربية والتعليم ومنظمة البكالوريا الدولية مذكرة تفاهم للبدء في تطبيق برنامج البكالوريا الدولية في المدارس الحكومية بمملكة البحرين اعتباراً من العام الدراسي المقبل، قفزة نوعية كبيرة في مسيرة التعليم في المملكة، وإعلاناً واضحاً بأن التعليم الحكومي في البحرين يدخل مرحلة جديدة من الطموح والثقة بالذات.

برنامج البكالوريا الدولية يمثل فلسفة تعليمية متكاملة تُعيد تعريف دور المدرسة والمعلم والطالب، وهو انتقال من التلقين إلى التفكير ومن الحفظ إلى الفهم، حيث يصبح الرهان الحقيقي على مهارات التفكير النقدي والبحث والتحليل والقدرة على الربط بين المعارف.ودون شك، فإن أهمية إدراج هذا البرنامج في المدارس الحكومية يضمن أيضاً ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، حيث لم يعد التعليم العالمي حكراً على فئة دون أخرى، بل خياراً متاحاً للطالب في مدرسته الحكومية.

كما أن البكالوريا الدولية معروفة بصرامتها الأكاديمية، وبتركيزها على إعداد طالب متوازن الشخصية؛ باحث، متسائل، منفتح على الثقافات، وقادر على العمل ضمن فريق، ويحمل وعياً أخلاقياً ومسؤولية اجتماعية، وهي مهارات عملية يحتاجها أي شاب يدخل جامعة عالمية أو ينخرط في سوق عمل يتجه بسرعة نحو الاقتصاد الرقمي والمعرفي.

في عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد التحدي في الوصول إلى المعلومة، بل التحدي الحقيقي هو؛ كيف نفهمها ونحللها ونوظفها في حل مشكلة، وهنا تتجلى قيمة هذا البرنامج، الذي يدرب الطلبة على البحث المنهجي، وإعداد المشاريع، وطرح الفرضيات، ومناقشتها بلغة علمية رصينة.

البحرين التي سبقت المنطقة قبل أكثر من قرن بمدرسة نظامية، تعود اليوم لتؤكد أن الريادة تمثل خياراً مستمراً، والرهان هذه المرة على الطالب البحريني وقدرته أن يكون جزءاً فاعلاً في عالم سريع التحول.