نجوى عبداللطيف جناحي

إن حب الوطن فطرةٌ أصيلة في نفس الإنسان، فهي تنمو معه منذ طفولته، وتتعمق من خلال ذكرياته الأولى التي تربطه بأرضه وأهله. فالوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه، بل هو هويةٌ وانتماء، يمنح الإنسان الشعور بالأمان والكرامة، ويغرس في قلبه الرغبة في العطاء والتضحية من أجله. وعندما ينشأ الأطفال على تقدير وطنهم واحترام مقدراته، فإنهم يكبرون وهم يحملون روح المسؤولية تجاهه، ويسعون إلى رفعته وتقدمه. ولعل التجربة الشعورية لأمير الشعراء أحمد شوقي في مهجره جعلته يختصر معاني المواطنة في بيت واحد من الشعر عندما قال:

وطني لو شغِلتُ بالخلدِ عنهُنازعتني إليهِ في الخلدِ نفسي

فمهما شُغل الإنسان بالعيش في أوطان أكثر رفاهية من وطنه يظل الإحساس بالمواطنة يشده لوطنه الأصلي، وعلى الرغم من أن المواطنة فطرة في نفس كل إنسان، إلا أن غرس قيمة المواطنة في نفوس الأطفال تعد من أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المتماسكة والمزدهرة. فالمواطنة ليست مجرد انتماء جغرافي أو قانوني، بل هي شعور عميق بالمسؤولية والولاء تجاه الوطن، يتجسد في السلوكيات اليومية للفرد منذ سنواته الأولى.

وتبدأ عملية تنمية روح المواطنة في الأسرة، حيث يتعلم الطفل من والديه معاني الانتماء والاحترام والتعاون. وعندما يرى الطفل والديه يلتزمان بالقوانين، ويحافظان على الممتلكات العامة، ويشاركان في خدمة المجتمع، فإنه يكتسب هذه القيم بشكل طبيعي. كما أن الحوار داخل الأسرة حول أهمية الوطن وتاريخه وإنجازاته يعزز لدى الطفل الشعور بالفخر والانتماء.

ثم يأتي دور المدرسة بوصفها بيئة تربوية مكملة، حيث تُسهم المناهج الدراسية والأنشطة اللاصفية في ترسيخ مفاهيم المواطنة. فتعليم الطلاب حقوقهم وواجباتهم، وتشجيعهم على العمل الجماعي، والمشاركة في الأنشطة التطوعية، كلها أمور تُنمّي لديهم حس المسؤولية تجاه مجتمعهم. كما أن الاحتفال بالمناسبات الوطنية يُعزز ارتباطهم بهويتهم الوطنية.

ولا يمكن إغفال دور المجتمع ووسائل الإعلام في هذا الجانب، إذ تسهم في تشكيل وعي الأطفال وتوجيه سلوكهم. فالمحتوى الهادف الذي يُبرز قيم التعاون، واحترام الآخر، وحب الوطن، يساعد في بناء جيل واعٍ وقادر على الإسهام في تنمية بلده.

إن غرس المواطنة منذ الصغر ينعكس إيجاباً على مستقبل الأفراد والمجتمعات، حيث يُنشئ جيلاً يتحلى بالقيم الأخلاقية، ويحترم القوانين، ويسعى لتحقيق الصالح العام. ولذلك فإن الاستثمار في تنمية هذه القيم لدى الأطفال هو استثمار حقيقي في مستقبل الوطن واستقراره.. ودمتم سالمين.