في السنوات الأخيرة، لم يكن دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي «AI» والتعلّم الآلي «ML» في مختلف مجالات المجتمع أقل من كونه ثورة حقيقية. فمن الرعاية الصحية إلى القطاع المالي، أعادت هذه التطورات تشكيل الصناعات وغيّرت أساليب حياتنا بشكل جذري.

إلا أن أحد أبرز المجالات التي تتجلى فيها آثار هذه التقنيات بشكل كبير، وربما مثير للجدل، هو مجال النزاعات المسلحة.

إن استخدام الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي في الحروب يطرح شبكة معقدة من الفرص والتحديات، ويثير تساؤلات عميقة أخلاقية وقانونية واستراتيجية. فمن جهة، يرى المؤيدون أن هذه التقنيات تمتلك القدرة على تعزيز القدرات العسكرية، وتحسين عمليات اتخاذ القرار، بل وحتى تقليل الخسائر في صفوف المدنيين.

ومن جهة أخرى، يعرب المنتقدون عن مخاوفهم من احتمال تشغيل أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل خارج نطاق السيطرة البشرية، وتفاقم اختلالات القوة القائمة، وطمس حدود المساءلة في الحروب.

وبينما يرى البعض أن هذه التقنيات قد تقلل من الأخطاء البشرية وتحسّن الكفاءة التشغيلية، يحذّر آخرون من التداعيات الأخلاقية واحتمالية وقوع عواقب كارثية في حال حدوث خلل في هذه الأنظمة أو وقوعها في الأيدي الخطأ.

تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي في مجموعة واسعة من التطبيقات العسكرية، بما في ذلك جمع المعلومات الاستخباراتية، والمراقبة، والاستطلاع، والحرب السيبرانية.

حيث تُستخدم خوارزميات متقدمة لتحليل كميات هائلة من البيانات بهدف اكتشاف الأنماط، والتنبؤ بسلوك العدو، وتحسين الاستراتيجيات العسكرية.

ومن أبرز تطبيقات هذه التقنيات في النزاعات المسلحة تطوير ونشر أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل، والتي يطلق عليها المنتقدون أحياناً «الروبوتات القاتلة». هذه الأنظمة، المزودة بخوارزميات ذكاء اصطناعي وأجهزة استشعار، قادرة على تحديد الأهداف والتعامل معها دون تدخل بشري مباشر.

ويُعد تحسين عملية اتخاذ القرار أحد الفوائد المهمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، حيث يمكن لتحليل البيانات بشكل أدق أن يساعد في استهداف الخصوم بكفاءة أعلى. كما تُمكّن التقنيات المؤتمتة من اتخاذ قرارات أكثر ذكاءً وأماناً في ساحة المعركة مع تقليل نسبة الأخطاء إلى الحد الأدنى.

وتُستخدم الطائرات بدون طيار والأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحديد المخاطر أو التهديدات والتواصل بشأنها، إضافةً إلى قدرتها على التعرّف بدقة أكبر على الأجسام البعيدة، مما يمنح ميزة استراتيجية في الاستعداد للهجوم.

كما تُستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي لتحليل كميات ضخمة من البيانات التي يتم جمعها من مصادر متعددة، مثل صور الأقمار الصناعية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والاتصالات الإلكترونية، وذلك للتنبؤ بتحركات العدو، وتحديد التهديدات المحتملة، وتقييم فعالية الاستراتيجيات العسكرية.

وتلعب قدرات الدفاع والهجوم السيبراني المدعومة بالذكاء الاصطناعي دوراً متزايد الأهمية في الحروب الحديثة. حيث تُستخدم هذه الخوارزميات للكشف عن التهديدات السيبرانية والاستجابة لها في الوقت الفعلي، وتحديد نقاط الضعف في شبكات الخصم، وتنفيذ هجمات سيبرانية موجهة.

إلا أن استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا المجال يطرح تحديات جديدة تتعلق بتحديد مصدر الهجمات «Attribution»، إذ يمكن تنفيذها بشكل ذاتي أو عبر برمجيات مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، مما يصعّب معرفة الجهة المسؤولة عنها.

إضافةً إلى ذلك، تبرز مخاوف بشأن قدرة الحرب السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي على تعطيل البنية التحتية الحيوية، والتلاعب بالمعلومات، وتقويض المؤسسات الديمقراطية.

كما أن الاستخدام الخبيث لهذه التقنيات يفرض تحديات جديدة على الجهات الدفاعية والأمنية، مما يستدعي تبنّي إجراءات قوية لرصد التهديدات الناشئة في الفضاء السيبراني وردعها والتخفيف من آثارها.