أحمد جعفر

في ظل ما تتعرض له دول مجلس التعاون الخليجي من اعتداءات غاشمة من دولة غير عربية، فشلت جامعة الدول العربية في الاختبار الأسهل لها منذ تأسيسها.

هذا الفشل يتجلى بوضوح عندما اكتفت الجامعة العربية بإصدار بيانات بروتوكولية ضد ما وصفته بـ "الحسابات الخاطئة" للجمهورية الإسلامية في استهدافها للمنشآت المدنية والمصالح الاقتصادية بدول الخليج، وذلك رداً على الحرب الأمريكية الإسرائيلية.

وبعكس بيان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، كانت اللغة الحذرة للبيانات التي صاغتها الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بمثابة "طعنة جديدة" لمجلس التعاون في مواجهة هجمات سافرة لم تفرق بين هدف مدني وآخر عسكري؛ بل تجاوزت ذلك لتضرب منشآت حيوية تمثل مصدر رزق دول الخليج وحياة مواطنيها.

ولنفهم ذلك بوضوح، علينا العودة لعام 1990 عندما فشلت الجامعة في إصدار موقف موحد يدين الغزو العراقي الغاشم على دولة الكويت بعد أن وقفت مجموعة من الدول مع الطرف المعتدي وهذا ما أثبته التاريخ أنه خاطئ.

اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود على قمة القاهرة الطارئة في أغسطس 1990، يتكرر المشهد بصيغة مختلفة: تهديدات لأمن الخليج من طرف أجنبي مقابل موقف عربي جماعي يفتقر إلى الحدة والوضوح، ويذهب لمنطقة رمادية غير مقبولة بالنسبة لدول الخليج.

في الأسبوع الحالي، أكملت جامعة الدول العربية 81 عاماً على تأسيسها، لكن المفارقة التي باتت أقرب إلى النكتة السياسية الثقيلة، هي أن "الجامعة" لم تنجح فعلياً في جمع العرب على موقف واحد وحاسم في القضايا المصيرية.

وأظن أن جزءاً من هذا الخلل قد يرتبط بطبيعة موازين القوى داخل الجامعة، حيث تلعب مصر دوراً محورياً في ضبط الإيقاع العام لهذا الكيان العربي المشترك.

هذا الشيء ليس بالضرورة أمراً سلبياً في حد ذاته، فمصر دولة مركزية في النظام العربي ولها قيمتها وأهميتها واحترامها، لكن المشكلة تظهر عندما تنعكس رؤى وسياسات القاهرة داخل أروقة الجامعة على حساب التوازن في النظر للقضايا العربية المتعددة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن أهم وأخطر عيوب الجامعة هي أنها مؤسسة بلا أدوات تنفيذ أو آليات إلزام، وبلا قدرة على تجاوز شرط الإجماع، وهنا يكمن الخلل البنيوي في هيكلها، الذي يعد بحاجة ماسة للإصلاحات.

ومع ذلك، فإن النقد هنا لجامعة الدول العربية لا ينبغي أن يُفسر كدعوة للانسحاب من هذه المنظمة، خاصة وأن دول الخليج جزء أساسي من المنظومة العربية، والخروج من الجامعة لن يحل الأزمة بقدر ما يعمقها ويثير الانقسام بين الأشقاء العرب.

وبالتالي، فإن المطلوب هو إصلاح عميق لهذا الكيان؛ بحيث يتم إعادة صياغة جذرية لهيكل الجامعة، لتعكس موازين القوى الجديدة في العالم العربي، وتمنح الدول الفاعلة دوراً يتناسب مع وزنها السياسي والاقتصادي.

وتبدأ هذه الإصلاحات من مراجعة آليات اتخاذ القرارات، والانتقال من الإجماع المُعطل إلى صيغ أخرى أكثر مرونة، ثم تعزيز أدوات التنفيذ والإلزام، فضلاً عن إعادة تعريف دور الجامعة نفسها: هل هي مجرد كيان دبلوماسي، أم إطار حقيقي للأمن والتنسيق العربي؟

دون الإجابة على هذا السؤال مع تنفيذ الإصلاحات، ستظل كل البيانات مهما صيغت بعناية، هي مجرد حبر على ورق.

لا يمكن لمؤسسة أن تتعامل مع أزمات القرن الحادي والعشرين بأدوات منتصف القرن العشرين، وإذا كانت الجامعة العربية قد عاشت ثمانين عاماً دون أن تنجح في "جمع" العرب على موقف حاسم، فربما حان الوقت لإعادة التفكير: ليس في جدوى وجودها، بل في شكل هذا الوجود لأن الاستمرار بالشكل الحالي يعد تكراراً لنفس النتيجة في كل مرة.