شهدت سماء البحرين تشكيلات غيوم الأولى «16 مارس 2026»، تسمى الماماتوس والأخرى «23 مارس 2026»، تسمى غيوم الرف، وعقب مشاهدة كل من هذه الغيوم كان هناك مطر، ولكن الإمطار الأول كان أقل بكثير من الإمطار الثاني، ويجب معرفة أن التشكيلات السحابية المميزة في سماء البحرين هي ليست مجرد «لوحات جمالية»، بل هي مؤشرات فيزيائية دقيقة لما يحدث في طبقات الجو.
أولاً: لماذا رأينا «الماماتوس» ثم «سحب الرف»؟
ما شهدته البحرين الأسابيع الماضية هو نتيجة مباشرة لمرور منخفضات جوية حركية وحالات عدم استقرار جوي قوية أثرت على منطقة الخليج العربي بأكملها.
- غيوم الماماتوس (Mammatus Clouds):
- السبب الفيزيائي: تظهر عادة في الجزء السفلي من «سندان» السحب الرعدية العملاقة أو الركامية المزية العملاقة (Cumulonimbus)، وهي ناتجة عن تيارات هوائية هابطة (Downdrafts) من الهواء البارد المشبع بالرطوبة أو البلورات الثلجية، والتي تخترق طبقة من الهواء الأكثر دفئاً وجفافاً أسفل السحابة، مما يخلق هذه البروزات التي تشبه الأكياس (ضرع البقرة)؛ فظهورها كان يشير إلى شدة الاضطراب في طبقات الجو العليا ونهاية عاصفة رعدية قوية.
- غيوم الرف (Shelf Clouds):
- السبب الفيزيائي: هي سحب منخفضة أفقية تظهر عند الحافة الأمامية للعواصف الرعدية، وتتكون عند خروج الهواء البارد من السحابة وهبوطه إلى الأرض، حيث يندفع للأمام ويرفع الهواء الدافئ الرطب أمامه بسرعة (Updraft)، مما يؤدي لتكثفه على شكل «رف» أو قوس؛ فظهورها كان يعني اقتراب جبهة هوائية باردة نشطة جداً، وهي غالباً ما تسبق هطول الأمطار الغزيرة والرياح الهابطة الشديدة.
- ثانياً: هل هناك تغيير في المنظومة الجوية للمنطقة؟
نعم، تشهد المنطقة حالياً (مارس 2026) تتابعاً سريعاً للمنخفضات الجوية القادمة من الغرب. علمياً، يرجع ذلك إلى التالي:
1. تعمق المنخفض (الأخدود) الجوي: وهو اندفاع كتل هوائية باردة في طبقات الجو العليا نحو شبه الجزيرة العربية وتلتقي مع هواء دافئ ورطب قادم من بحر العرب والخليج العربي.
2. تغيرات إقليمية: تزايد حدة الحالات المتطرفة (Extreme Weather Events) في السنوات الأخيرة، حيث أصبحت الفوارق الحرارية بين طبقات الجو أكثر حدة، مما يسمح بنمو سحب رعدية ذات بناء رأسي شاهق.
ثالثاً: تأثير القصف والنشاط العسكري (إيران وإسرائيل):
من الناحية الفيزيائية والجوية الصرفة، لا يوجد تأثير مباشر لعمليات القصف المتبادل على تشكل هذه السحب أو تغيير المنظومة الجوية لعدة أسباب:
1. مقياس الطاقة (Energy Scale): الطاقة اللازمة لتكوين منخفض جوي أو سحابة رعدية عملاقة تفوق بملايين الأطراف طاقة أكبر الانفجارات التقليدية. إن ما يتحكم في الغلاف الجوي هو التوازن الديناميكي الحراري والإشعاع الشمسي.
2. المسافة والارتفاع: الأحداث العسكرية الحالية تقع في نطاقات جغرافية محددة وبعيدة نسبياً عن مسار الكتل الهوائية المؤثرة على البحرين في هذه الفترة.
3. التلوث والجسيمات: رغم أن الانفجارات تطلق جسيمات قد تعمل كـ«نويات تكثيف» Condensation Nuclei، إلا أن كميتها وتوزعها لا يكفيان لتغيير نمط المناخ أو خلق ظواهر مثل «الماماتوس» أو «سحب الرف» على مستوى إقليمي؛ فهذه السحب تحتاج إلى رطوبة هائلة وتيارات هوائية ناتجة عن فروقات حرارية طبيعية واسعة.
الخلاصة: ما نشهده هو ترجمة ميدانية لفيزياء الطقس في موسم «السرايات» والمراويح، حيث يشتد الصراع بين الكتل الهوائية، وهو أمر طبيعي علمياً وإن بدت تشكيلاته مخيفة أو غريبة أحياناً.
* أستاذ الفيزياء التطبيقية بجامعة الخليج العربي