في ظلّ الحرب الإيرانية الغاشمة على دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، نرى مواقف سلبية وغير مفهومة من بعض الأفراد وبعض الشعوب ومن بعض الدول التي يفترض أنها شقيقة أو صديقة، وتبصّرنا عن شعوب تتفنّن في الشماتة كحقد دفين ظهر اليوم للعلن لدولنا الخليجية. هذا التناقض يُشعر شعوبنا الخليجية بالخذلان ويجعلنا نتساءل عن معيار الوقوف مع الحق حين تشتد الحاجة إليه، حتى لو باستنكار عن إرهابية إيران لدولنا الخليجية. ولمدة أسابيع من الحرب لزم الجميع الصمت، وأصبحوا متفرّجين فقط.
المتفرّج بالأمس متضرّر اليوم؛ فكل من يكتفي بمراقبة المشهد سرعان ما يجد نفسه متضرّراً، لأن الحرب «تأكل الخضر واليابس»، وتطال الاقتصاد والأمن والاستقرار، لتصل للجميع بأشكال مختلفة، مباشرة أو غير مباشرة، وتحوله إلى خسارة حتمية، وهذا ضريبة السكوت والمشاهدة.
قد يظن «المتفرّج» بأنه بمنأى عن العاصفة وتوابع الحرب، بحكم أنه بعيد، أو أن دولته بعيدة عن الحرب الدائرة، ويكتفي بالمشاهدة وتتبّع آخر الأخبار دون إبداء فعلٍ يزكّي تلك المساعدات الإنسانية والدعم التي كانت تقدّمه دولنا للدول والشعوب المحتاجة والمنكوبة، ذلك حتى لا يكونوا جزءاً من المشكلة أو في دائرة الحرب. ولا يعلمون بأن الإقدام على الصمت هو مشاركة وقرار بحدّ ذاته، ظناً منهم بأن المتفرّج والحرب يسيران بخطّين مستقيمين لا يلتقيان. وهذا بالتأكيد ظنٌّ في غير محله وخطأٌ فادح في الحرب، لأن الحرب غالباً لا تسير بخط مستقيم، بل تتوسّع لتشمل المتفرّج، ويكون جزءاً متضرّراً من الحرب أيضاً.
يظهر الضرر اليوم في مضيق هرمز على سبيل المثال؛ تتعطّل المصالح والإمدادات، منها تجارة النفط والغاز، وتزيد الأسعار ويصرخ الغلاء، وينعكس ذلك على معيشة الشعوب واستقرار الأسواق. والمتضرّر في حرب اليوم ليست دول الخليج العربي فقط، بل الدول الإقليمية والعالم أجمع؛ فغلق مضيق هرمز سبَّبَ أضراراً كبيرة على الاقتصاد والأمن الإقليمي، وهذا حال تبعات الحرب، الهدوء قبل العاصفة.
هذه الحرب علّمتنا الكثير منها عن المتفرجين، وفتحت أعيننا على أمور وحقائق لم نكن ندركها، وأعطتنا دروساً قاسية لكنها واقعية. فقد عمّقت لدينا الوطنية أكثر وأكثر، وعرّفتنا معنى التحدّي، وجعلتنا نميّز بين الكلام والواقع، وبين الشعارات والمواقف، وبين الأقوال والأفعال، لنصبح أكثر وعياً ومسؤولية، ونعرف من هم المتفرّجون، ونُدرك بأن المتفرّج على الحق لابد أن يدفع ضريبة سكوته في يوم من الأيام.