لا يمكن النظر إلى تأييد وانضمام مملكة البحرين للمبادرة السعودية لتشكيل «التحالف البحري الدفاعي» باعتباره مجرد موقف سياسي تجاه حدث إقليمي، بل هو امتداد لمسار طويل من الثقة والشراكة الاستراتيجية التي جمعت المنامة والرياض لعقود، فقد جاء إعلان المملكة العربية السعودية عن التحالف الهادف إلى حماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن في توقيت بالغ الحساسية مع تصاعد التهديدات التي استهدفت السفن التجارية وناقلات الطاقة، وهو ما دفع 14 دولة إلى إعلان دعمها الرسمي للمبادرة، وكانت مملكة البحرين في مقدمتها، في تأكيد جديد على انسجام الرؤى بين البلدين تجاه قضايا الأمن الإقليمي وحماية الملاحة الدولية.
ولم يكن مستغرباً أن تكون مملكة البحرين من أوائل الدول التي أعلنت انضمامها إلى هذا التحالف، في امتداد طبيعي لنهجها الثابت في دعم المبادرات السعودية ذات البعد الخليجي والإقليمي. وسرعان ما حظي هذا الموقف باهتمام واسع في الصحف السعودية، التي تناولته بوصفه دليلاً جديداً على متانة العلاقات البحرينية السعودية، وأشادت بحكمة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، وحرصه الدائم على الوقوف إلى جانب أشقائه في المملكة العربية السعودية، بما يجسد قوة الترابط ووحدة المصير بين البلدين الشقيقين.
فالعلاقة بين البحرين والسعودية بُنيت من خلال تراكمات سياسية واستراتيجية بدأت منذ عقود، وتحديداً منذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، الذي كان ثمرة قناعة مشتركة بأن أمن الخليج العربي لا يمكن أن يكون مسؤولية كل دولة على حدة، بل مسؤولية جماعية تتطلب تنسيقاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً دائماً.
ثم جاء الحدث الذي طور شكل العلاقة بين الشعبين والدولتين، وهو افتتاح جسر الملك فهد في 25 نوفمبر 1986. فالجسر أصبح أحد أكثر المعابر البرية ازدحاماً في المنطقة، إذ يعبر خلاله عشرات الملايين من المسافرين سنوياً، إضافة إلى آلاف الشاحنات التي تنقل السلع بين البلدين، حتى أصبح شرياناً اقتصادياً للمنطقة. وفي عام 2011 عندما واجهت البحرين تحديات أمنية استثنائية، لم تكتفِ المملكة العربية السعودية بإصدار بيانات التأييد، بل شاركت ضمن (قوات درع الجزيرة) استناداً إلى اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون الخليجي، في خطوة اعتبرتها القيادتان الخليجيتان ترجمة عملية لمبدأ وحدة المصير.
ومنذ ذلك التاريخ، لم تتغير اللغة السياسية السعودية تجاه البحرين، فكل البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية السعودية تؤكد أن «أمن البحرين جزء لا يتجزأ من أمن المملكة العربية السعودية وأمن دول مجلس التعاون الخليجي».
ومن جانبها، لم تتأخر مملكة البحرين يوماً عن الوقوف إلى جانب المملكة العربية السعودية، فقد كانت البحرين من الدول المشاركة في «التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن» منذ انطلاقه، وأسهمت بقواتها العسكرية في العمليات المشتركة، وقدمت تضحيات جسيمة، في تأكيد حقيقي على أن الدفاع عن أمن السعودية هو دفاع عن أمن البحرين.
وتكمن أهمية المبادرة السعودية في إنشاء التحالف البحري الدفاعي في كونها تهدف لبناء منظومة إقليمية لحماية أمن الملاحة تقودها دول المنطقة، في ظل تصاعد التهديدات التي استهدفت البحر الأحمر وباب المندب، أحد أهم الممرات العالمية لتجارة السلع والطاقة. وإذا نجح التحالف في تحقيق أهدافه، فقد يشكل نواةً لمنظومة أمن بحري عربية دائمة، بقيادة إقليمية تنطلق من مصالح المنطقة نفسها.
أما مملكة البحرين، فإن مشاركتها في هذا التحالف لا تمنح المبادرة ثقلاً سياسياً فحسب، بل يؤكد أن العلاقات البحرينية السعودية تجاوزت منذ زمن طويل إطار التعاون التقليدي، لتصبح نموذجاً لعلاقة أخوية واستراتيجية تقوم على الثقة المتبادلة، ووحدة المصير، والتنسيق المستمر، وهو ما أثبتته مواقف البلدين على امتداد العقود في مختلف القضايا الخليجية والعربية.
* باحثة في الإعلام الرقمي وتكنولوجيا الاتصال والذكاء الاصطناعي