خلال عملي الصحفي، تابعت عن كثب عمل الحكومة الإلكترونية منذ إطلاقها، كما تابعت ما شهدته المملكة من قفزات نوعية في تطوير البنية التحتية الرقمية، وصولاً إلى الخدمات الذكية التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، حيث نجحت البحرين في بناء نموذج خاصّ يؤكد فهم الدولة للتقنية والاستثمار فيها بذكاء، مما ساهم في أن تتقدّم في المؤشرات العالمية، وأن تُصنّف ضمن الدول الأكثر جاهزية رقمياً في المنطقة.
وباعتقادي، فإن سر التميّز لم يكن فيما نملكه من أجهزة وأنظمة فقط، بل في العنصر البشري البحريني الذي كان دائماً في قلب هذه المسيرة؛ شباب يمتلك مهارات وخبرات، إلى جانب قدرة على التعلّم والتطور، وهو ما جعل من الكفاءات الوطنية عنصراً أساسياً في واحد من أكثر القطاعات تنافسية في العالم.
واليوم؛ تُتوّج هذه الإنجازات بالمبادرة التي أطلقها مركز ناصر العلمي والتقني «منصة إدارة الأزمات الذكية»، والتي تمثّل ترجمة عملية لهذا التراكم، حيث تمثّل المنصة نقلة في طريقة التفكير، وتُعيد تعريف مفهوم إدارة الأزمات، وتنقله من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي.
تعتمد المنصة على الذكاء الاصطناعي والمساعدين الافتراضيين، لتمنح المؤسسات قدرة على القراءة الاستباقية للمشهد؛ تقدم تنبيهات ذكية، تتابع جاهزية الموظفين، وتدعم اتخاذ القرار، وتوفر إرشادات فورية في حالات الطوارئ، والأهم أنها تدمج بين أنظمة متعدّدة من إنترنت الأشياء وأدوات الاتصال لتخلق منظومة متكاملة لا تترك مجالاً للعشوائية.
ما تكشفه الوقائع اليوم أنه لم يعد كافياً أن تكون مستعداً، بل يجب أن تكون متقدّماً، وهنا تظهر قيمة هذه المبادرة، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي مرت بها البحرين والمنطقة، وما فرضته التوترات الإقليمية والاعتداءات الإيرانية من ضغوط حقيقية على مختلف القطاعات.
المنصة تقدّم نموذجاً عملياً لكيف يمكن للمؤسسات أن تحافظ على استمراريتها، وأن تتعامل مع الأزمات بشكل استباقي، كما تعكس مستوى متقدماً من التكامل بين الجهات المختلفة، حيث تتحول إدارة الأزمة من جهد فردي إلى منظومة جماعية مترابطة.
وهنا لا يمكن إغفال البُعد الاقتصادي لهذه الخطوة، فالذكاء الاصطناعي أصبح محركاً رئيسياً للاستثمار والنمو، ومثل هذه المبادرات تفتح الباب أمام استقطاب شركات عالمية، وتخلق فرص عمل نوعية للمواطنين، بوظائف ذات دخل مرتفع وقيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.
وأخيراً، فإن ما يقدّمه مركز ناصر العلمي والتقني يتجاوز فكرة مبادرة تقنية، حيث إننا أمام عمل وطني يعكس فهماً للتحولات العالمية، وثقة حقيقية بقدرات الكفاءات البحرينية. ودون شك فهو جهد كبير ورؤية واضحة تؤكد أن البحرين لا تكتفي بالمواكبة، بل تسعى دائماً نحو القمّة.