من أين نبدأ، وأين ننتهي؟! إذ ما شهدناه أمس بشأن الخلية الإرهابية المكونة من 41 شخصاً، والتي ترتبط بالحرس الثوري الإيراني، وتتبنى فكر «ولاية الفقيه»، مسألة تعيدنا إلى الوراء لسنوات طوال، كانت فيها البحرين على وجه الخصوص، وأيضاً شقيقاتها في دول مجلس التعاون الخليجي، هدفاً لمشروع «تصدير الثورة» الذي جاء به الخميني.
قبل الإسهاب، لابد أولاً من شكر وزارة الداخلية البحرينية بقيادة وزيرها الرجل القوي معالي الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، ورجاله الأبطال المخلصين، الذين نجحوا في كشف هذه الخلية -التي أعتبرها الأخطر- إلى جانب خلايا إرهابية عديدة كُشفت في السابق، وتبين أنها تابعة للحرس الثوري الإيراني، وحزب الله الإرهابي، وتأتمر بأمر «الولي الفقيه»، سواء خلال فترة الخميني، أو خلفه الخامنئي.
أصفها بأنها «الأخطر»، لأنها تأتي أثناء استهداف إيراني إرهابي آثم وصريح بالصواريخ والمسيرات على بلادنا وأشقائنا. أعتبرها «الأخطر» لأننا في الوقت الذي كنا فيه نواجه عدواً خارجياً بشكل صريح، نتفاجأ بعدو داخلي، عدو موغل في الخيانة والتخابر والتخطيط الآثم، يعمل لمصلحة العدو، ويضرب في وطنه، بل ويستميت في شق الصفوف، وفي فرض سطوة فكر «الولي الفقيه» على جموع بعضها انساق وراءها، لأن الفكرة بأسرها -أي ولاية الفقيه- تقوم على تمجيد المرشد، ووضعه فوق أي سلطة أو نظام على وجه هذه الأرض، فكرة أساسها أنه يُباح لك بيع وطنك والغدر به وخيانته، إن أمر الولي الفقيه بذلك، لأنه مرجعك الديني.
هذا «الخلط الخبيث» الذي أضاع بوصلة كثيرين سلموا نواصيهم، وانساقوا وراء هذا الفكر. ظنوا للأسف أنها مسألة مرتبطة بالدين والمذهب، غير مدركين بأن ديننا ومذاهبنا براء من هذا كله، وأنها «أداة سياسية» جاء بها الخميني لينفذ مشروعه ومخططه في «سرقة أصوات وإرادة الشيعة»، بالأخص إخواننا الشيعة العرب، وتحويلهم لأدوات تضرب أوطانهم.
لا نفشي سراً حين نقول، بأن كثيرين من إخواننا الشيعة الكرام ينبذون هذا الفكر، ويرفضون هذا «القيد» الولائي السياسي الذي يستغل الدين، والبحرين كأبلغ مثال صريح، إذ انظروا لحجم الولاء والانتماء للوطن الذي يبديه إخواننا من الطائفة الشيعية الكريمة لوطنهم، وأتحدث هنا عن النماذج الوطنية المشرفة -وهم كثر- الذين اصطفوا بقوة مع وطنهم، وساندوا ملكهم وقبله والده الراحل العظيم وقبله أجداده، وهم امتداد للوطنيين المخلصين الذين بنوا مع عائلة آل خليفة وإخوانهم السنة وكافة الطوائف، بنوا الوطن منذ العقود الطويلة.
هذا الوطن بني بسواعد البحرينيين المخلصين، منذ أيام «الفاتح» الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة، إلى يومنا هذا، وبقيادة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، القائد الإنسان، الحافظ لشعبه من كل ما يؤثر على وطنيتهم وفكرهم، الحامي لهم من كل مساعي هذه الجماعات الإرهابية التي يحركها عدو صريح الكل يعرفه، يستخدم ورقة المذهب والطائفية ليضرب البلدان العربية.
الولاء العابر للحدود، الإذعان الكامل، والتبعية المطلقة بما يبيح اغتيال الأوطان وخيانتها، هذا فكر «الولي الفقيه»، وهذا الذي أوجد لدينا الأذرع والخلايا الخفية، والتي تحولت في فترات نعرفها جيداً، إلى خلايا تنشط بشكل ظاهر، بل تتفاخر عناصرها بأنها تدربت في معاقل حزب الله والحرس الثوري.
أبناء هذا الوطن الغالي من جميع مذاهبه وطوائفه، لا يخدعكم أحد ويصور لكم هذا النهج السياسي الذي ابتدعه زعيم إيراني يريد تصوير نفسه أنه المتحدث باسم الله، وأستغفر الله على هذا القول، لا يخدعكم أحد يحاول أن يرهبكم في دينكم ومذهبكم، وأنكم إن لم تخونوا أوطانكم، وأنكم إن لم توالوا النظام الإيراني ومرشده، فإن رابطكم مع الدين والله فيه خلل.
كلنا تربينا على أن الدين لله وحده، وأنه لا شريك له، وأنك لا تحتاج إلى «وساطة» بشرية بينك وبين خالقك لتعبده وتدعوه.
لكن ارجعوا للشواهد، وأيضاً ما يحصل اليوم، لتروا كيف زرع هذا النظام الآثم أذرعه في أوطاننا، كيف عين وكلاء له، بعضهم كان يتفاخر بصراحة، خاصة ذاك المحرض الطائفي الذي وقف على المنبر ليؤلب البحريني الشيعي على أخوه البحريني السني، ذاك الذي منحه خامنئي بنفسه صفة «آية الله» ووكله كممثل له في بلادنا، واليوم هو موجود بعد فشل مساعيه، موجود هناك، في أحضان نظام الولي الفقيه، في أحضان أسياده، وعلا صراخه حين قتل سيده.
أيضاً لا تنسوا تلك الجماعة التي كان ذاك مرجعها، كيف بوجودها رأينا الطائفية تكبر وتُزرع في القلوب، كيف كانت كراهية الوطن والنظام والمكون السني وبقية الأطياف تُغذى عبر وسائل عديدة.
وكيف حينما ظنوا أنها اللحظة المناسبة، قفزوا ليسقطوا النظام، وليكشفوا الوجه الطائفي القبيح، وحينما كانت تدحض ادعاءاتهم، وحينما كانوا يواجهون بحقيقة ولائهم لوليهم الفقيه وإيران، وهي الجزئية التي «يتلعثم» فيها لسانهم ويثقل، كانوا يتهمون الوطنيين المخلصين بإشعال الطائفية والفتنة، كانوا يستهدفون كل من يدافع عن وطنه وعن إخوانه الشيعة المخلصين، لأن الطائفية وزرع الكراهية كانت هي صفات هذه الجماعة وأسلحتها التي استخدموها أصلاً، وحاولوا بها سرقة أصوات إخواننا الشيعة المخلصين.
في هذا الجانب يطول الحديث كثيراً، لأن كشف تاريخ الخائن يحتاج لمساحات طويلة، فالشواهد كثيرة، والمؤامرات على بلدنا عديدة، ومثلما تصدينها لهم قبل عقد من الزمان، في البحرين مخلصون من كل المذاهب والطوائف لن يقبلوا بأن يتعرض وطنهم لمزيد من الأذى، بسبب فكر خبيث، ومساع أخبث، تريد تحقيق الحلم «الفارسي القديم».
ما شهدناه في الشهرين الماضيين، وما أثلجت به صدرونا وزارة الداخلية أمس، كلها أمور حركت معها الغيرة على الوطن عند أبنائه، عند سنته وشيعته المخلصين وكل الأطياف.
هذا يؤكد لنا بأن الوعي الوطني بات اليوم أقوى من مساعي زرع بذور الفتنة والطائفية باسم «الولي الفقيه»، يؤكد بأن مخططات تلك الفئة الكارهة لبلادنا اندحرت، وبقي لكم الصراخ الذي ترونه وتسمعونه اليوم.
هذا الصراخ الذي يكشف لكم «زيف أكاذيب الماضي» بنفي الارتباط مع إيران، لكنه وفي الماضي القريب بكى على الخامنئي، وتحدث مرجعهم عن الكفاح لأجل وليه الفقيه، واليوم الصراخ على قدر الألم بشأن كل ما تقوم به البحرين، وأشقاؤنا في الخليج في قطع الأذرع الإيرانية.
ولا تنسوا هم لم ينطقوا بحرف دفاعاً عن الوطن الذي يدعون انتماءهم إليه، حينما كنا نقصف بالصواريخ والمسيرات من أسيادهم.
بلادنا بفضل الله محمية، ثم بجهود ملكنا الإنسان الثابت على الحق ماضية في صون أمنها وحماية كل أبنائها المخلصين من كل المذاهب والأطياف، والقانون العادل والمنصف هو الرادع والمتصدي لكل خائن ومتخابر ومتآمر ومجند من الحرس الثوري، ومن تحرك «ولاية الفقيه» اتجاهاته ليكون خنجراً في ظهر الوطن.