كعادتها، تمضي أيام الحج سريعاً، ولا يبقى بعدها إلا أجمل الأثر، وأثر التغيير الذاتي الذي يعيشه الحاج بعد أن يستمتع بكل لحظة من لحظات هذا الموسم الإيماني العظيم، ذلك الموسم الزاخر بالمواقف والذكريات التي سيكون لها ـ بلا شك ـ نصيب وافر من المشاعر الدافئة، التي ستظل خالدة في وجدان كل من شارك في هذه الرحلة الممتعة بكل تفاصيلها الدقيقة. دروس كثيرة، بلا ريب، تعلمناها كعادتنا بعد كل رحلة تطأ فيها أقدامنا أرض مكة المكرمة، ودروس أخرى متعددة تعلمها كل حاج اصطفاه المولى الكريم لهذه الرحلة الإيمانية، وبخاصة أولئك الذين يحجون للمرة الأولى.
كُتب لي أن أكون ضمن من اصطفاهم الله تعالى لخدمة ضيوف الرحمن هذا العام، ضمن فريق عمل حملة صهيب الرومي بقيادة الشيخ د. صهيب شريف، الذي بذل ـ جزاه الله خيراً ـ جهداً كبيراً في تسيير الحملة على النحو المأمول، وفق منظومة إدارية متكاملة موزعة على الباقات المختلفة التي طُرحت هذا العام، إضافة إلى حسن اختيار الطاقات الإدارية المخلصة، التي لم تتوانَ لحظة واحدة في خدمة الحجاج، حيث عمل الجميع، بمختلف مهامهم، بإخلاص وتفانٍ، وقضوا ساعات طويلة في خدمة ضيوف الرحمن.
وعندما أتحدث عن هذه التجربة في هذه السطور القليلة، فإنما أتحدث عن أيام عملية عشناها في أرض مكة، وكان لها أثر بالغ في نفوسنا نحو التغيير الذي يرضي الله تعالى. إنها تجربة فريدة في إدارة الحشود، والنفسيات، والمشاعر، والتجديد الإيماني، والإدارة بالمواقف؛ فالحج بالفعل يحتاج إلى حكمة بالغة في ضبط الأجواء العامة للحاج، حتى يخرج من رحلته موفقاً مطمئناً بأداء ركن من أركان الإسلام.
محطة إيمانية مؤثرة عشناها خلال الحملة، بمشاركة نخبة من المشايخ الفضلاء، وزاد هذه المحطات جمالاً حضور عدد من مشايخ دولة الكويت الشقيقة، وعلى رأسهم الشيخ عثمان الخميس، الذي أمتع الحضور بأسلوبه الإيماني المؤثر والجميل. سبحانك يا رب، لم تكن الدروس العلمية، والتذكيرات الإيمانية، والتوجيهات الخاصة بمناسك الحج مجرد حلقات عابرة، بل كانت رسائل تغيير حقيقية للنفوس، استفاد منها الجميع بلا استثناء. فهذه هي محطة الحج؛ يلتقي فيها الجميع على صعيد واحد، مُلبين نداء التوحيد: «لبيك اللهم لبيك»، ومستشعرين نعم الله تعالى عليهم.
أما محطة التنظيم الخاصة بضبط تحركات الحملة ومواعيد انطلاقها لأداء المناسك، فهي الأخرى محطة متميزة، كان لها أثر كبير في راحة الحجاج. فمن خلال ما تعلمناه في سنوات خدمة الحجاج الماضية، تتجلى الحكمة في اختيار الأوقات المناسبة للخروج إلى المناسك، مع الالتزام بالضبط الشرعي وفق هدي النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا ما لمسه الحجاج من خلال الوصول المبكر لأداء طواف الإفاضة وسعي الحج ليلة العيد، حتى إن بعضهم فاضت مشاعره فرحاً بتحقيق أمنيته التي لم تتحقق له في كثير من العمرات السابقة، إذ وفّقه الله عز وجل في هذا المنسك العظيم إلى استلام الركن اليماني، وتقبيل الحجر الأسود، والاقتراب من الكعبة المشرفة، والتلذذ بالدعاء عند الملتزم.
ناهيك عن الرمي في الأوقات الباردة غير المزدحمة، ثم المبيت في منى وسط أجواء من السكينة والطمأنينة، والوصول المنظم إلى مزدلفة والاستمتاع بأوقاتها المباركة، إضافة إلى الحرص المستمر على تواجد فرق المواصلات على امتداد الطريق في كل منسك، الأمر الذي يبعث الطمأنينة في نفوس الحجاج، ويجعلهم يؤدون مناسكهم بكل يسر وسهولة، متفرغين للعبادة والطاعة.وخلال هذه الرحلة الجميلة، تحدثت مع عدد من حجاج الحملة أثناء تواجدنا في المناسك، وكان الجميع يؤكد أن هذا العام -بحمد الله تعالى وتوفيقه- شهد بركة واضحة في الوقت، والجهد، والتنظيم، والتنقل، وأن الجميع استمتع بكل اللحظات الإيمانية في أجواء من السكينة والطمأنينة، فضلاً عن سهولة الانتقال بين المناسك. وكل ذلك بفضل الله تعالى أولاً، الذي أنعم علينا بهذا الخير، واصطفانا من بين خلقه لنكون في هذه الساحة الإيمانية العامرة بالأجور، ثم بفضل اهتمام الحملة وحرصها على إضفاء لمسات جميلة في كل موطئ تطأه أقدام الحجاج.
فالحج -بحمد الله تعالى- أصبح أكثر تيسيرًا، وهناك فارق شاسع بين حج الماضي وحج اليوم؛ فمقدار الجهد المبذول في أداء المناسك أصبح أقل بكثير من السنوات السابقة، الأمر الذي يجعل الحاج يلهج بالشكر والثناء للمولى الكريم.
وثمة استفادة أخرى جميلة، تتمثل في التقارب الأخوي الذي يتحقق خلال محطة «أجمل رحلة»، وفي التعارف والأخوّة الإيمانية التي جمعت الحجاج في خير البقاع، والتي تضيف إلى حياتك قائمة من المحبين وأهل الخير الذين تتواصل معهم عبر الأيام، حتى تتسع دائرة الدعوات الطيبة التي تتلقاها هنا وهناك. وما أجمل أن تظل أثراً طيباً في حياة الناس. إن نعمة المحبة والأخوّة الإيمانية لا يستشعرها إلا من ذاق حلاوتها، ولا يتلذذ بأثرها إلا من أدرك كيف يكون أثراً مستداماً في حياة الآخرين.
ويبقى الحج محطة تغيير مؤثرة، ويبقى كل حاج على موعد مع العودة إلى داره -سالماً غانماً بإذن الله تعالى- وقد تبدّل حاله نحو الأفضل، حاملًا معه أجمل الذكريات، وموقنًا بأن الله تعالى قد كتبه من عتقائه من النار يوم عرفة، وأنه سبحانه قد شمله بعفوه ومغفرته بعد مغيب شمس ذلك اليوم العظيم، وأن المولى الكريم قد ذكره فيمن باهى بهم ملائكته.
ويبقى الحاج على موعد مع محطات إيمانية متجددة في حياته، عليه فيها ألّا يُخلف ما عاهد الله عليه، وألّا ينسى تلك الدعوات والمشاعر التي عاشها في أصداء الحج، وبخاصة في يوم عرفة. إنه موعد مع الثبات والاستقامة على دين الإسلام، والالتزام بما أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم. فهذه هي المحطات الحقيقية بعد الحج؛ أن تستمر في الطاعة والعبادة، وأن تكون متغيراً نحو الأفضل في جميع شؤون حياتك، حتى لا تكون قد أديت مناسك مكان، دون استشعارٍ حقيقي لمعاني الإيمان في القلب.
كل الشكر والتقدير لإدارة وفريق عمل حملة صهيب الرومي على ما قاموا به من جهود مشكورة في خدمة ضيوف الرحمن. كتب الله أجرهم، وبارك في أعمارهم وأوقاتهم، وسدد على طريق الخير خطاهم.
ومضة أملاللهم تقبل من حجاج بيتك حجهم، واجعل حجهم مبروراً، وسعيهم مشكوراً، وذنبهم مغفوراً، وأعدهم إلى بلادهم وأهليهم سالمين غانمين، وبارك في جهود جميع من قام على خدمتهم. ونسأل الله تعالى ألّا يجعل هذا آخر عهدنا بخدمة ضيوفه.