ثمَّ يأتي غداءُ العيد، لا بوصفهِ موعداً للطعامِ فحسب، بل كطقسٍ إنسانيٍّ عميقٍ تُعيدُ فيه الحياةُ ترتيبَ معنى القرب. كأنَّ الزمنَ، المُنهك من العجلةِ والأيّامِ المتشابهة، يتوقّفُ قليلاً عند هذهِ المائدةِ ليمنحَ الناسَ فرصةً نادرةً لاستعادةِ أنفسِهم في وجوهِ مَن يحبّون. فغداءُ العيدِ ليسَ اجتماعاً عابراً، بل لحظةٌ تُصلحُ شيئاً خفيّاً في الروح؛ لحظةٌ يتذكّرُ فيها الإنسانُ أنَّهُ لا يعيشُ وحده، وأنَّ دفءَ العلاقاتِ أحدُ أسرارِ احتمالهِ لهذا العالم.
تبدأُ البيوتُ منذُ الصباحِ وكأنَّها تستعدُّ لاستقبالِ احتفالٍ سريّ؛ روائحُ الطعامِ تتسلّلُ من المطابخِ كرسائلَ غيرِ منطوقة، والأمهاتُ يتحرّكنَ في البيتِ بحنانٍ يشبهُ الطقسَ المقدّس، يضعنَ في الأطباقِ شيئاً من تعبِهنَّ الجميلِ، وشيئاً من الدعاءِ الصامتِ بأن يبقى هذا البيتُ عامراً بالوجوهِ والطمأنينة.
وفي الزوايا، ينشغلُ الكبارُ بترتيبِ المقاعد، بينما يمرُّ الأطفالُ مسرعينَ بملابسِهم الجديدةِ، يضحكونَ بلا سببٍ واضح، وكأنَّ الفرحَ في العيدِ لا يحتاجُ إلى تفسير.
ثمَّ تبدأُ «اللَّمّة»؛ يدخلُ الأهلُ تباعاً، وتتعانقُ الأصواتُ قبل الأيدي، ويجلسُ الجميعُ حولَ مائدةٍ تبدو أكبرَ من حجمِها الحقيقي، لأنَّها تتّسعُ للحكاياتِ والذكرياتِ والحنين. هناكَ مَن يستعيدُ طرفةً قديمةً فيضحكُ الجميع، وهناكَ مَن يذكرُ الغائبينَ بحنينٍ خافت، فتغدو الفرحةُ أكثرَ عمقاً لأنَّها تعرفُ أنَّ للحياةِ وجهاً آخر من الفقدِ أيضاً. وفي العيدِ وحده، تتجاورُ الضحكةُ والحنينُ دونَ خصام، كأنَّ القلبَ يتعلّمُ كيف يحملُ مشاعرَه كلَّها بحكمة.
وللجيرانِ في غداءِ العيدِ ظلٌّ جميل؛ بابٌ يُطرقُ بتهنئةٍ أو طبقٍ دافئ، وكلمةُ «تفضّلوا» التي لا تبدو مجرّدَ دعوةٍ بل إعلاناً قديماً بأنَّ البيوتَ المتجاورةَ يمكنُ أن تُصبحَ قلباً واحداً. فالعيدُ في جوهرهِ لا يحبُّ العزلة؛ إنَّهُ يُعلّمُ الناسَ أنَّ الفرحَ حينَ يُقتسمُ يتضاعف، وأنَّ الموائدَ لا تُقاسُ بما فوقها من طعام، بل بمن حولَها من وجوه.
ولعلَّ أجملَ ما في غداءِ العيدِ أنَّهُ يذكّرُ الإنسانَ بحقيقةٍ وجوديةٍ بسيطة؛ نحنُ لا نشبعُ من الطعامِ وحده، بل من الشعورِ بأنَّ لنا مكاناً في قلوبِ الآخرين، وأنَّ هناكَ من ينتظرُ حضورَنا ويتركُ لنا مقعداً دافئاً على المائدة. ولذلكَ، حينَ ينتهي النهارُ وتخفتُ الأصواتُ، يبقى شيءٌ صغيرٌ من العيدِ عالقاً في الروح؛ طمأنينةٌ تشبهُ يقيناً خفيّاً بأنَّ الحياة، مهما أثقلتنا، ما زالت تمنحُنا بين حينٍ وآخر فرصةً لنلتفَّ حولَ الحبِّ ونسمّيه: عائلة.. وجيراناً.. وعيد.