د. توفيق السباعي

حين يتفضّل حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، بتوجيه كلمةٍ ملكيةٍ سامية خلال ترؤس جلالته الاجتماع الاعتيادي لمجلس الوزراء، بحضور صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، فإننا نقف أمام بيان وطني جامع يعيد تأكيد المعاني الكبرى الراسخة في الوجدان البحريني: معنى الدولة، ومعنى الولاء، ومعنى أن يكون الوطن حاضراً في القلب قبل الشعار، وفي السلوك قبل العبارة.

لقد حمل الخطاب السامي لغة القائد الذي يقرأ الموقف بعين الحكمة، ويخاطب شعبه بروح الأبوة، ويؤكد أن قوة البحرين لا تُختزل في جاهزيتها الدفاعية فحسب، على عظمتها وأهميتها، بل تمتد إلى حصانة جبهتها الداخلية، ووعي مجتمعها، وتماسك نسيجها، وثقة أبنائها بمؤسساتهم. فحين يشكر جلالة الملك المعظم كلَّ من عبّر قولاً وفعلاً عن مشاعر الحب الوطني ومساندة الإجراءات الهادفة إلى تحصين الصف الداخلي، فإنه يرسخ قاعدة عميقة: أن المواطنة تتجاوز حدود الرابطة القانونية ومشاعر الانتماء المجردة، فهي قيمة حيّة تتجدد بالفعل والمسؤولية، وموقف مسؤول عند المنعطفات الوطنية، ووعيٌ يحمي الوطن حين تختبره الظروف، وسلوكٌ يومي يترجم الانتماء إلى عطاءٍ وانضباطٍ والتزام.

وفي هذا السياق، جاءت الإشارة الملكية إلى الاعتداءات الإيرانية الغاشمة لتضع الحدث في إطاره السيادي والقانوني والأخلاقي؛ فالبحرين، وهي تدافع عن أمنها واستقرارها، لا تغادر نهجها الراسخ كدولة سلام ووئام، ولا تتخلى عن إيمانها بأن الأمن الحقيقي يقوم على دبلوماسية التفاهم، واحترام القانون الدولي، وحسن الجوار، وصون حرية الملاحة في الممرات الحيوية. وهنا تتجلى حكمة البحرين: قوةٌ لا تستفزها الفوضى، وحزمٌ لا يخاصم السلام، وسيادةٌ تعرف متى تصبر، ومتى تقول كلمتها الحاسمة.

ولم يكن تقدير جلالته لرجال قوة دفاع البحرين والحرس الوطني ووزارة الداخلية إلا تكريماً لمعنى الجندية الشريفة في أبهى صورها؛ أولئك الذين يقفون في ميادين الشرف برباطة جأش واحترافٍ واستعداد، ليظل الأمن نعمة محفوظة، والاستقرار سياجاً للتنمية، والتنمية وعداً لا يتوقف. فالأوطان لا تبنى بالشعور وحده، ولا تصان بالسلاح وحده، بل بتكامل الإرادة الشعبية مع المؤسسات الوطنية، وبوعي المجتمع بأن حماية الوطن مسؤولية مشتركة، تبدأ بالكلمة الصادقة، وتمتد إلى العمل المخلص، وتنتهي عند استعدادٍ لا يساوم على السيادة.

أما وثيقة الشكر والوفاء، التي تفضل جلالة الملك المعظم، أيده الله، بالتوقيع عليها، ومعه أصحاب السمو أنجال جلالته الكرام، حفظهم الله، فقد جاءت تجسيداً ملكياً رفيعاً لمعاني الوفاء المتبادل بين القيادة والشعب. إنها ليست وثيقة شكر فحسب، بل وثيقة عهد؛ فيها تقول القيادة لشعبها إن مواقفه محفوظة في الذاكرة، وإن محبته مقدّرة، وإن البحرين، بأهلها وقيادتها، أسرة وطنية واحدة. وحين تضمّنت الوثيقة بيتين من شعر جلالته، وفيهما: «أنتم أهل الدار أخوة كلكم.. للوطن درع وهذا عهدكم»، تحوّل الشعر إلى سجل وطني، وتحولت الكلمات إلى وسام يعلّقه كل بحريني على صدر انتمائه.

لقد كان أبلغ ما في الخطاب السامي أنه جمع بين الثناء والحزم، وبين السلام والسيادة، وبين الفخر بأبناء الوطن والتنبيه إلى خطورة الخروج عن الصف الوطني. ومن هنا تبدو البحرين كما هي دائماً: وطناً كبيراً بثباته، عميقاً في حضارته، عصياً على الكسر بوحدة أهله، وماضيًا بقيادة جلالة الملك المعظم، حفظه الله ورعاه، نحو مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً. فحين يكون الشعب درع الوطن، وتكون القيادة قلبه النابض، لا يعود المستقبل وعداً مؤجلاً، بل يصبح طريقاً تمشيه البحرين بثقة، صفاً واحداً، ورايةً واحدة، وعهداً لا ينكسر؛ لأن الأوطان التي تحفظ الذاكرة، وتصون الكرامة، وتجمع أبناءها على المحبة والمسؤولية، لا تخاف العواصف، بل تجعل منها بدايةً لمرحلة أشد رسوخاً وأبهى حضوراً.

حفظ الله جلالة الملك المعظم، وأدام على البحرين أمنها واستقرارها ووحدتها وازدهارها في ظل قيادته الحكيمة