الفرق شاسع وكبير بين شخص ينتقد بعض الأوضاع وبعض أساليب الحراك في وطنه، وبين شخص يعمل بشكل صريح ضد وطنه. الفرق بينهما لا يظهر في الأيام العادية، بل يظهر وقت الأزمات، وبالأخص حينما يُهدد الوطن.
الأول قد يختلف مع قرارات ومع أساليب عمل، وينتقد أداء مسؤولين، ويرى وجود أخطاء تحتاج إلى معالجة. لكنه يعرف جيداً أن خلافه مع بعض الملفات الداخلية لا يعني أن يقف ضد بلده. لذلك، بمجرد أن يتعرض الوطن للاستهداف، تتغير الأولويات. يضع خلافاته جانباً، ويقف مع وطنه، لأن حماية البلد بالنسبة له مسألة لا تخضع للنقاش أو المساومة.
هذا النوع من الناس يفهم أن الوطن أكبر من أي شيء آخر، الوطن يسمو فوق كل شيء. قد يعترض على سياسات عمل وأساليب أداء كثيرة، لكنه لا يسمح لنفسه أن يكون جزءاً من أي مشروع يستهدف أمن بلده أو استقراره. هو يريد الإصلاح داخل وطنه، لا إسقاط وطنه. ويريد معالجة الأخطاء، لا استغلالها لإضعاف الدولة أو خدمة أعدائها وخصومها ومن يكيد لها.
في المقابل، هناك النوع الآخر المختلف تماماً. نوع لا يرى في الأزمات خطراً على وطنه، بل فرصة له، لأنه هو بالذات جزء من الخطر على وطنه. نوع ينتظر أي أزمة أو توتر أو تهديد، ليبدأ بالتحرك العلني ضد بلده تحت عناوين مختلفة. فجأة تختفي كل الشعارات التي كان يرفعها، تسقط كل المثاليات التي كان يدعيها، ويظهر موقفه الحقيقي. وهنا سترون كيف أن الحديث سيتحول من ادعاءات بمساعي الإصلاح أو المصلحة العامة، إلى حديث همه استعداء الوطن وتأليب أبنائه عليه، والاستماتة في تشويه صورة بلده، وتبرير الهجوم عليها، مثلما كانوا يفعلون بالتهليل للعدو الإيراني.
الأخطر من ذلك أن هذا النوع يعتقد أن عدوه وعدو وطنه يمكن أن يكون حليفاً له. لذلك تجده يردد روايات الخصوم، ويدافع عن مواقفهم، ويبحث عن أي وسيلة تمنحهم ورقة ضغط إضافية على بلده. وهو يتغابى أصلاً، وبعضهم من السذاجة لا يدرك بأن من يراهن على خصوم وطنه ليس في النهاية إلا أداة تُستخدم ثم تُرمى.
الوطني الحقيقي قد يغضب، قد يعترض، وقد يختلف بشدة، لكنه يعرف أين يقف عندما تصبح بلاده مستهدفة. أما الآخر فلا يملك هذا الخط الفاصل. ولهذا السبب فإن الأزمات تكشف الفرق بين الاثنين بوضوح. الأول يدافع عن وطنه رغم اختلاف رؤاه أو أفكاره المتباينة، والثاني يستغل الاختلافات ليبرر الوقوف ضد وطنه.
الوطنية ليست بأن توافق على كل شيء، وليست بأن تتخلى عن حقك في النقد. الوطنية هي أن تعرف أن هناك حدوداً لا يجوز تجاوزها. يمكنك أن تنتقد ما تشاء، وأن تختلف كما تشاء، لكن لا يمكن أن تجعل خلافاتك سبباً للطعن في وطنك أو الاصطفاف مع من يستهدفه، لا يجب أن تجعلها مسوغاً لبيعه لأعدائه.
من يحب وطنه حقاً لا يرخص بترابه أبداً. قد يختلف على تفاصيل كثيرة، لكنه لا يفرط في الأصل. وقد يعارض بعض الظواهر وبعض أنماط الحراك المؤسسي والمجتمعي، لكنه لا يعارض وطنه. قد ينتقد الأخطاء، لكنه لا يسمح أن تتحول هذه الأخطاء إلى مبرر لخدمة أعدائه.
هذه هي النقطة التي تفصل بين صاحب الموقف الوطني، وبين من تكشف الأزمات أنه لم يكن مختلفاً مع بعض الأمور فقط، بل كان مختلفاً مع وطنه نفسه، ويعتبر نفسه عدواً له، بل خادماً وتابعاً للعدو الصريح نفسه.