لا تخلو العلاقاتُ الإنسانية مِنْ هفوات وزلات تترك أثراً في النفوس والقلوب، ومِنْ هنا كانَ العتاب لغةً للتفاهم وجسراً لإصلاح ما يعترض طريق المحبّة مِنْ سوء فهمٍ أو تأويل خاطئ.
وقد وقفَ الأدباءُ والحكماء طويلاً عند ظاهرة العتاب، فمدحوا المعتدل مِنْه وعَدّوه مِنْ حقوق الصداقة والأخوّة، وذمّوا الإفراط والغلوّ فيه لما يجرّه مِنْ قطيعة وهجران وجفاء وتباعد.
فقد أورد أبو منصور الثعالبي في كتابه اللطائف والظرائف باباً بعنوان: «ذم العتاب»، ذكر فيه أن كثرة العتاب داعية إلى الاجتناب، وأنها قد تُورث الحقد والضّغينة، مستشهداً بقول الشاعر:
فدعِ العتابَ فربَّ شرٍّ
هاجَ أوَّلُه العتابُ
غير أن ّالعتاب إذا صدرَ عَنْ صدقٍ وإخلاص، وحرصٍ وعناية على الطرف الآخر كان دليلاً على الصفاء والمودّة، وحسن العشرة والتآخي؛ فالعتاب على قدر المحبّة.
إذا ذهبَ العتابُ فليس ودٌّ
ويبقى الودُّ ما بقي العتابُ
والعتاب ملح الصداقة، ولكن الملح إذا زاد أفسد الطعام، وكذلك العتاب إذا تجاوز َحدَّه انقلب إلى ضِدّه، فَغَدا مِعْول هدمٍ لا أداة إصلاح، وسبباً للتفَكّكِ والانهيار لا وسيلة للبناء والإعمار، ولاسيّما إذا تحوّل إلى لَجاجةٍ وملامةٍ دائمة، يقولُ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لا تُكثر العتاب، فإن العتاب يورث الضغينة والبغضة، وكثرته من سوء الأدب"، "روضة العقلاء، ص: 182".
وللعتاب أزمان وأسباب وطرائق؛ فهو يفقد أثره ويخبو بريقه إذا جاء في غير وقته، أو مِنْ غير موجب، أو بأسلوب جافّ منفّر، كما أنه لا يجدي مع مَنْ لا يصغي إلى صوت العقل والحكمة:
وليس عتابُ الناسِ للمرءِ نافعاً
إذا لم يكنْ للمرءِ لُبٌّ يعاتبُه
وَمِنَ الحكمة تجنُّب عتاب الملول، قليل الصبر، سريع السآمة الذي يضيق بالنّصح والتوجيه، كما قال ابن الرومي:
إذا أنتَ عاتبتَ الملولَ فإنما
تخطُّ على صُحفِ المياهِ أحرفا
والناظر في الأدب العربي يجدُ أنّ أهلَ الحُبّ والوفاء كانوا يستعذبون العتاب مِنْ أحبتهم، ويرونه دليلاً على الوِصال، وحقاً مِنْ حقوق المودة، كما في قول كثير عزّة:
فإن تكن العتبى فأهلاً ومرحباً
وحقٌّ لها العتبى لدينا وقلّت
والعقلاء لا يقفون عند كل هفوة، ولا يفتّشون عن كلّ زلة؛ إذ لا يخلو إنسان مِنْ نقص وقصور، ومن طلب صديقاً بلا عيب، فقد طلب المحال، كما قال الشافعي:
إذا كنتَ في كلِّ الأمورِ معاتباً
صديقَكَ لم تلقَ الذي لا تعاتبُه
والعتاب بين الإخوان لا يعني انقطاع المودة، بل قد يكون وسيلةً إلى توثيق عُراها إذا صاحبه الصفح والتسامح والقبول، قال الشاعر:
أعاتبُ إخواني وأبقي عليهمُ
ولستُ لهم بعد العتابِ بقاطعِ
وقد يذوب العتاب عند اللقاء، وتغلب المودة والألفة ما علق بالنفس من لوم وإنكار، كما قال محمد بن أمية:
وأضمرُ في قلبي العتابَ فإن بدا
وساعدني منه اللقاءُ نسيتُ
وللناس في العتاب مذاهب شتى؛ فمنهم من يلوم حتى على مكارم الأخلاق وصنائع المعروف، كما ذكر المقنّع الكندي:
يعاتبني في الدَّيْنِ قومي وإنّما
دُيونيَ في أشياءَ تُكسِبُهم حمداً
وفي المقابل، قد يتحوّل العتاب عند بعض الناس إلى وسيلة للتشفي والتشهير، فيخرج عن معناه النبيل، ومساره الصحيح، ويصبح الشرارة الأولى للعداوة والبغضاء.
- شمعة أخيرة:
أقلل عتابك فالبقاء قليل
والدّهر يعدلُ تارة ويميلُ.