تخيّلتُ الزمنَ في ذلك الصباحِ يقفُ قليلاً أمام البحرين، ينظرُ إلى البيوتِ المضيئةِ بأهلها، ثم يبتسمُ ويقول: ما زالت هناك قلوبٌ تريدُ أن تقولَ شيئاً لوطنِها، فلنمنحها مزيداً من الوقت.
ولعلَّ هذا هو أجملُ ما حمله خبرُ تمديدِ فترةِ استلامِ وثائقِ الولاءِ والتأييد؛ إذ بدا وكأنَّ الأيامَ نفسها قد قرّرت أن تُبطئَ خطاها، وأن تؤجِّلَ رحيلَها قليلاً، حتى لا يفوتَ أحداً أن يضعَ حرفاً من محبته في سجلِّ الوطن.
فالولاءُ ليس ورقةً تُطوى، ولا توقيعاً يجفُّ حبرُه، بل هو نهرٌ هادئٌ يجري في أعماقِ الإنسان، كلما مرَّ باسمِ وطنِه ازداد صفاءً، وكلما ذُكرت قيادتُه ازدادَ امتلاءً بالفخر.
إنَّه تلك اليدُ التي تمتدُّ عفويّاً لتصافحَ الوطن، وذلك القلبُ الذي يعرفُ طريقَه إليه مهما ابتعدت به المسافات.
وفي البحرين، يبدو المشهدُ مختلفاً. فالوطنُ هنا لا يقفُ بعيداً عن أهلِه، بل يجلسُ معهم في المجالس، ويشاركُهم أفراحَهم، ويطلُّ من نوافذِ بيوتِهم، ويعبرُ في دعواتِ الأمهات، وفي أحاديثِ الآباء، وفي ابتساماتِ الأطفال.
حتى يخالُ المرءُ أنَّ البحرين ليست جزيرةً تحيطُ بها المياه، بل قلبٌ كبيرٌ تسكنُ فيه القلوب.
ولهذا لم يكن التمديدُ تمديداً للوقتِ وحده، بل كان تمديداً للحكاية. كأنَّ الوطنَ قال لأبنائِه: ما زال في قلبي متَّسعٌ لكلِّ كلمةِ وفاء، ولكلِّ يدٍ تريدُ أن تجدِّدَ عهدَها معي.
وما أجملَ ما نشهده اليوم... فما زالت وثائقُ الولاءِ والتأييدِ تُسجَّلُ في البيوت، وكأنَّ العيدَ رفضَ أن يغادرَ سريعاً، ومدَّ عباءتَه البيضاءَ فوق الأيام، ليتركَ للمحبين فرصةً أخرى.
فبينَ تهنئةٍ تُقال، وضحكةِ طفل، وفنجانِ قهوةٍ في مجلسٍ عامر، يولدُ توقيعٌ جديد، لا تكتبه الأصابعُ وحدها، بل تكتبه القلوبُ قبل الحبر.
لعلَّ الزمنَ سيمضي، وستُطوى هذه الأيامُ كما طُويت أيامٌ كثيرةٌ قبلها، لكنَّ المشهدَ سيبقى. سيبقى في ذاكرةِ البحرين أنَّ شعباً أحبَّ قيادتَه حتى بدا الوقتُ نفسه كأنَّه يطلبُ البقاءَ قليلاً، ليشهدَ هذا العناقَ الجميلَ بين وطنٍ كريمٍ وأبنائه الأوفياء.
ففي بعضِ الأوطانِ يمرُّ الزمنُ على الناس، أمَّا في البحرين... فإنَّ المحبةَ هي التي تُعلِّمُ الزمنَ كيف يتوقَّفُ احتراماً للوفاء.