في خطوة تبدو في ظاهرها مبادرة لتسهيل الملاحة، أعلنت طهران إعفاء السفن التجارية من رسوم عبور مضيق هرمز لمدة 60 يوماً. لكن السُم الحقيقي لا يكمن في هذا «الإعفاء المالي» المؤقت، بل يختبئ في التفاصيل الخبيثة لـ «آلية التنفيذ»، حيث طالبت الهيئة البحرية الإيرانية المسؤولة عن المضيق كل السفن بتقديم طلبات عبور مسبقة ومفصلة قبل 48 ساعة على الأقل من وصولها للمنطقة، متذرعة بتجنب أي تأخير في الدخول أو الخروج.

هذا الإجراء المزعوم ليس سوى فخ مزدوج الأبعاد، فمن الناحية القانونية، يُعد الامتثال له اعترافاً مجانياً بسيادة إيران المطلقة على ممر مائي دولي طبيعي لا يخضع لوصاية أحد. ومن الناحية العملية، يمثل أداة استخباراتية تهدف إلى تحويل «حق المرور العابر» الذي تكفله المواثيق الدولية إلى «رخصة» تصدرها طهران لمن تشاء، فاليوم يُفرض شرط الـ 48 ساعة كإجراء تنظيمي، وغداً قد تُرفض طلبات العبور بحجج واهية، لتجد خطوط الملاحة العالمية نفسها أسيرة لابتزاز سياسي يخنق أهم شريان تجاري في العالم.

وما يؤكد هذه النوايا الإيرانية المبيتة، هو التناقض الصارخ في تفسير بنود مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، وهو تناقض يُبقي أبواب التوتر وعودة الصراع مشرعة على مصراعيها. فالجانب الأمريكي يسوّق لهذه المذكرة باعتبارها التزاماً بمرور مجاني وآمن طويل الأمد يضمن حرية الملاحة، بينما يخرج كبار المسؤولين الإيرانيين ليؤكدوا صراحة أن «المضيق لن يعود لما كان عليه»، ملوحين بفرض رسوم جديدة تحت مسمى «رسوم خدمات بحرية» فور انقضاء مهلة الستين يوماً. هذا التلاعب اللفظي واختلاف التفسيرات يواجهه موقف خليجي حازم، عبرت عنه الدبلوماسية السعودية بوضوح، برفضها القاطع لأي أطروحات إيرانية مبتكرة لإدارة المضيق أو فرض إتاوات تحت مسمى «رسوم خدمات»، مع المطالبة بالعودة الكاملة وغير المشروطة لوضع ما قبل الحرب وحماية حرية الملاحة بموجب القانون الدولي.

ودول المنطقة التي رحّبت بهذا الاتفاق وتتطلع إلى أن يكون حقيقياً وراسخاً، هي الأكثر إدراكاً لثمن الوهم؛ لأنها دفعته من قبل، ولهذا فإن ترحيبها مشروط بما ستُثبته الأيام الستون، لا بما أعلنته طهران. وفي ظل هذه التناقضات، تصبح مهلة الستين يوماً مجرد «استراحة محارب» وهدنة هشة، كفيلة -كما عهدنا السلوك الإيراني- بأن تمنح طهران الفرصة المعتادة لالتقاط أنفاسها وإعادة ترتيب أوراقها لجولة ابتزاز قادمة. إن الهجمات والاعتداءات الأخيرة التي طالت دول الخليج نسفت جسور الثقة الهشة التي بنيت سابقاً، وأفرزت أزمة ثقة حادة تجعل من المستحيل الحديث عن أي تعاون اقتصادي أو تمويل لإعادة الإعمار قبل إعادة بناء هذه الثقة على أسس حقيقية وملموسة.

وفي المقابل، يجب ألا تكون مهلة الـ 60 يوماً نافذة زمنية تستغلها طهران وحدها، بل يجب أن تُشكل فرصة حقيقية ومساحة حاسمة لدول المنطقة لإعادة تقييم وهندسة استراتيجياتها الأمنية والاقتصادية. لقد حان الوقت لرسم وتثبيت الدور المحوري لدولنا، وبناء تحالفات حقيقية وصلبة تتبنى استراتيجية المسار المزدوج، القائمة على بناء ردع عسكري قوي وحصانة اقتصادية ذاتية بالتوازي مع الدبلوماسية، إذ لا يمكن أن يبقى العالم واقتصاده تحت رحمة دولة مارقة تحركها الأحقاد وتتخذ من الابتزاز نهجاً للبقاء.

علاوة على ذلك، يجب أن يكون الموقف الإقليمي حازماً في رفض أن نكون مجرد جزء من تسوية مالية بين واشنطن وطهران، فالتاريخ يشهد أن إيران سخرت إمكانياتها المادية الضخمة لتجهيز ميليشيات عاثت خراباً في المنطقة، وعليها اليوم أن تتحمل وحدها العواقب الكارثية لأفعالها المتهورة، وأن تدرك أن أمن الممرات الدولية ليس ورقة مساومة لإنقاذ اقتصادها المنهار.