الأمر الأخطر في حالة فشل الدولة لا يقتصر على ما يخلّفه من فراغ سياسي أو عجز مؤسساتي وتصدّع اجتماعي، بل يتعداه إلى ما يتيح من إمكانية إعادة تشكيل المجال (الدولة) العام نفسه، وإعادة تعريف الجغرافيا السياسية على أسس تناقض مفهوم الدولة الوطنية. فاستدامة حالة الفشل (وذلك ماثل أمامنا في عموم الجغرافيا السياسية التي تدور في فلك طهران)، يحولها من أزمة طارئة إلى بنية دائمة يجري تكيّفها وإدارتها بدل السعي إلى تفكيكها، وتصبح السيادة قابلة للإزاحة ومنها إلى إلغاء هوية الجغرافيا الوطنية.

وهنا تحديداً تجد إيران مدخلها الأكثر فعالية. لا من باب التدخل التقليدي في شؤون الدول الداخلية، بل من باب الاستثمار المنهجي اجتماعياً في الجغرافيا السياسية الفاشلة بوصفها مادة أولية، وفي إعادة إنتاج أخرى قائمة على صدُوع طائفية مستغلةً المظلومية الشيعية.

مقاربة إيران الإقليمية تقوم على أمرين، أولهما؛ أن ما تمثله الجغرافيا السياسية القائمة، هو طارئ وغير قابل للاستدامة، ثانياً؛ تكافل المظلومية الشيعية والتشيع السياسي المتسق وسردية المظلومية «نصرة المستضعفين». لذلك، فإن تفكيك هوية الجغرافيات الوطنية لا يتحقق إلا عبر استدامة حالة الفشل السياسي بهدف إعادة صياغة ديموغرافيا طائفية.

وعند تحقق ذلك، فإنها لا تحتاج إلى إلغاء الحدود الرسمية أو إعلان سقوط الكيانات القائمة، لأن مشروعها لا يقوم على محو الجغرافيا الوطنية من الخرائط، بل على إفراغها من معناها السياسي وطنياً، وتحولها من إطار جامع وعنوان للسيادة إلى غلاف شكلي تتنازعه قوى ما دون الدولة. عندئذ تتحول الجغرافيا السياسية من حالة صلبة إلى أخرى شكلية، يعاد فيها توزيع القرار والنفوذ والولاء على أسس فرعية لا وطنية، وتتقدم فيها الجماعات على الدولة، والمذهب على الوطن، والارتباط الخارجي على الانتماء الوطني.

ومن هنا، فإن استدامة الجغرافيا الفاشلة لا تبدو مجرد نتيجة عرضية لانهيار داخلي، بل تكاد تتحول إلى شرط موضوعي لنجاح هذا النوع من المشاريع الإقليمية. فالدولة العتيدة، بما تحتكره من أدوات العنف المشروع، ومن قدرة على إنتاج وفرض الشرعية، ومن حضور متماسك في المجالين الاجتماعي والثقافي، وهما مجالا حصانة الدولة الطبيعية. أما الهشة، أو الشكلية، فإنها تتيح نشوء سلطات موازية، وبنى أمنية مستقلة، واقتصادات ظل، وخطابات هوية تفكك المجال الوطني من الداخل. وشيئاً فشيئاً، لا يعود المواطن يرى في الدولة مرجعيته الطبيعية، بل يتحول إلى كائن سياسي يبحث عن الحماية والخدمات والتمثيل في إطار طائفته أو جماعته أو ميليشياه، أي في إطار البنية التي تنمو على أنقاض الدولة وتستمد جزءاً كبيراً من قوتها من رعايتها الخارجية.

بهذا المعنى، لا يكون المشروع الإيراني مجرد سياسة نفوذ بالمعنى التقليدي، بل مشروعاً لإعادة ترتيب المجال الإقليمي انطلاقاً من تعريف طائفي للسياسة والجغرافيا. وهي لا تكتفي بإقامة تحالفات مع أنظمة أو قوى محلية، بل يعمل على إنتاج بيئات اجتماعية وعسكرية وثقافية تتطابق ومنطقها الاستراتيجي. وما يسعى إليه ليس النفاذ إلى دولة من داخل مؤسساتها فحسب، بل بناء مجال أوسع من الدولة، يتجاوز حدودها القانونية، ويربط بين جماعات متناثرة ضمن نسيج ولاء واحد، مذهبي المرجعية، سياسي الوظيفة، وأمني البنية. وعلى هذا النحو، لا تعود الحدود الوطنية خطوطًا فاصلة بين سيادات متكافئة، بل تتحول إلى مجرد حواجز رخوة داخل فضاء نفوذ أرحب، تحدده شبكات الانتماء والارتباط، لا مقتضيات الدولة الحديثة.

والأخطر أن هذا التحول لا يحتاج دائماً إلى عنف صريح أو إلى انهيار كامل للكيان السياسي، لأن أخطر أشكال التفكيك هو ذلك الذي يجري تحت سقف الدولة نفسها. فقد تبقى المؤسسات قائمة، والحدود معترفاً بها، والدساتير نافذة في ظاهرها، فيما تكون السلطة الحقيقية قد انتقلت إلى خارج بنيان الدولة، أو توزعت بين مراكز نفوذ متنازعة، لكل منها مرجعيتها وحساباتها ووظائفها. عند هذه النقطة، لا تكون المشكلة في ضعف السيادة فحسب، بل في إعادة تعريفها أصلاً. أي من سيادة وطنية جامعة إلى سيادات جزئية، متناثرة، مقنّعة أحياناً، لكنها فعالة في تفكيك وحدة القرار ووحدة المجال ووحدة المصير.

لذلك، فإن مقاومة هذا المسار لا تختزل في رفض التدخل الإيراني بوصفه فعلاً خارجياً، لأن هذا الرفض، على ضرورته، يظل ناقصاً إذا لم يقترن برفض البنية الداخلية التي تجعل هذا التدخل ممكناً ومثمراً. أي إذا لم يقترن برفض استدامة الفشل، ورفض تحويل الانهيار إلى نمط حكم، ورفض التسليم بأن التعايش مع الدولة الضعيفة هو شكل من أشكال الواقعية. فالواقعية الحقيقية لا تعني إدارة العجز، بل استعادة شروط الدولة؛ ولا تعني التكيف مع الجغرافيا الفاشلة، بل منعها من التحول إلى أساس لجغرافيا سياسية بديلة.

إن الدفاع عن الجغرافيا الوطنية اليوم لم يعد دفاعاً عن حدود مرسومة على الخرائط فقط، بل عن المعنى السياسي والأخلاقي لهذه الحدود، وعن الدولة بوصفها الإطار الوحيد القادر على صون التعدد، والسيادة داخل قانون، والانتماء داخل وطن. وما لم يُكسر منطق استدامة الفشل، فإن الجغرافيا الوطنية ستبقى معرّضة لأن تُفرغ من مضمونها تدريجياً، وأن يُعاد تركيب الإقليم فوق أنقاضها، لا بمنطق الدولة، بل بمنطق الطائفة المرتبطة بمشروع طائفي أو تخادمي. وفي هذا تكمن المعضلة الأعمق، ليس فقط سقوط الدولة، بل استخدام سقوطها مدخلاً لصياغة شرق أوسط سياسي جديد، تُقاس فيه الجغرافيا بميزان الطائفة، لا بميزان الدولة.