جاءت كلمة سيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين المعظم القائد الأعلى للقوات المسلحة حفظه الله ورعاه في مستهل التمرين العسكري درع البحرين، حيث تحولت تلك الكلمة الملكية السامية إلى رؤية استراتيجية للأمن الخليجي في وقت العالم تتغير فيه معادلات الأمن في وتيرة متسارعة جداً، ولم تعد التمارين العسكرية مجرد فعاليات تدريبية لتمارين مشتركة كما كانت تعقد لرفع الجاهزية القتالية، بل اليوم أصبحت رسائل استراتيجية تعكس موازين القوة، وإبراز الجاهزية على أرض الواقع، وبيان مستوى التنسيق بين الأشقاء والحلفاء، وإظهار القدرة على حماية المصالح الوطنية والإقليمية. ومن هذا المنطلق، جاءت الكلمة الملكية السامية، خلال هذا التمرين لتؤكد أن الرؤية البحرينية للأمن لا تنطلق من ردود الأفعال، وإنما من استراتيجية متكاملة قوامها الشراكة لإظهار الجاهزية القتالية للعمل الخليجي المشترك.
وقد حملت الكلمة الملكية السامية عدة محاور تتجاوز الإطار العسكري المباشر، إذ أعادت التأكيد على حقيقة راسخة مفادها أن أمن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية يمثل منظومة واحدة لا تقبل القسمة على اثنين، وأن الحفاظ على استقرار المنطقة يتطلب استمرار التطوير في القدرات الدفاعية، وتعزيز التنسيق المعلوماتي والعملياتي، وبناء منظومة ردع قادرة على التعامل مع مختلف التحديات، سواء كانت تقليدية أو تقنية حديثة.
ولعل اختيار مملكة البحرين لاستضافة تمرين عسكري بهذا الحجم، وهذا المستوى يعكس ما تتمتع به من مكانة وثقة
داخل المنظومة الخليجية، وهذا ما يؤكد أن مملكة البحرين أصبحت شريكاً رئيسياً في تطوير العمل العسكري المشترك. كما أن مشاركة القوات الخليجية في وضع تصورات عملياتية موحدة تعكس الانتقال من التعاون العسكري والتنسيق إلى مرحلة التكامل، وبهذه الخطوة نحظى بتطور بالغ الأهمية في ظل أحداث وتهديدات أمنية، مرتبطة بأمن الممرات البحرية والهجمات السيبرانية والطائرات المسيّرة والصواريخ البالستية، وصولاً إلى حماية البنية التحتية الحيوية.
وإذا نظرنا من منظور استراتيجي، فإن القيمة الحقيقية لهذا التمرين، فإنها لا تكمن فقط في العمليات الميدانية المتقدمة، وإنما فيما يتم تأسيسه من خبرات عسكرية متراكمة، وبالأخص في توحيد المفاهيم العملياتية، والتشغيل المشترك للخطط والمعدات بين القوات المسلحة الخليجية.
لذلك أصبت القوة العسكرية الحديثة لا ينظر لها بحجم العدة والعتاد فقط، بل بالقدرة على تنفيذ الخطط والعمل بمنظومة القيادة والسيطرة الموحدة، وسرعة تبادل المعلومات، واتخاذ القرار في الوقت المناسب، وهذا هو الهدف الجوهري الذي تسع إليه التمارين العسكرية المعاصرة.
وفي السياق نفسه، جاءت إشادة سيدي جلالة الملك المعظم بما أظهرته قواتنا الباسلة والقوات المشاركة من كفاءة وانضباط واحترافية تؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالعنصر البشري، وبناء المقاتل المؤهل يظل الركيزة الأساسية لأي منظومة دفاعية ناجحة. كما تعكس هذه الإشادة الثقة البارزة في مستوى التكامل الذي وصلت إليه القوات المسلحة الخليجية بعد فترة من التدريب والعمل المشترك. أما عن الجانب السياسي، حملت الكلمة الملكية السامية رسالة واضحة بأن دول مجلس التعاون الخليجي ماضية في تعزيز وتثبيت مفهوم الأمن الجماعي، وأن وحدتها ليست شعاراً وقتي في ظل الظروف الاستثنائية فقط، بل أمراً استراتيجياً بدعم الإرادة السياسية والقدرات العسكرية. وفي ظل ما تشهده المنطقة من تداعيات وتحولات متسارعة، فإن هذه الرسالة تكتسب أهمية خاصة، لأنها تؤكد أن أمن الخليج قائم على التنسيق والتكامل والاستعداد، لا على ردود الفعل الوقتية.
إن هذا التمرين ليس مجرد تمرين عادي، بل النجاح الذي حققه يعتبر محطة تؤكد نضج التجربة الخليجية في مجال التعاون الدفاعي، وتبين قدرة دول المجلس على تطوير أدواتها العسكرية، وبما يتناسب مع طبيعة التحديات الحالية.
وقد جاءت الكلمة الملكية السامية لسيدي حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم لتمنح هذا التمرين بعداً استراتيجياً أوسع، إذ ربطت بين القوة العسكرية والتنمية والاستقرار، وبين الجاهزية الدفاعية والحفاظ على مكتسبات الشعوب الخليجية. ومن هنا، فإن الرسالة الأبرز التي خرج بها تمرين درع البحرين هي أن دول الخليج العربي لا تبني قوةً من أجل الصراع، وإنما تعزز قدراتها للحفاظ على السلام، وحماية السيادة، وترسيخ الأمن الوطني والإقليمي. وبهذه الكلمة الملكية السامية التي عكست شعار القوة المسؤولة، والشراكة الراسخة، والرؤية الاستراتيجية كلها تستشرف المستقبل بثقة ومعنويات عالية، وتؤكد أن أمن الخليج العربي سيظل مسؤولية مشتركة وإرادة قوية. حفظ الله خليجنا وقادته وشعوبه، وأمنهُ من شر الأشرار، وكيد الفجار.