قصة البحرين منذ الفتح الخليفي للبحرين لم تُروَ شعبياً، وما كُتب عن تلك الحقبة التاريخية ظلّ حبيس الأرفف المكتبية للباحثين والمهتمين، أما نصوصها المدرسية فجافة وجامدة، ولا تحمل غير تواريخ وأحداث تُحفظ بشكل أصم.

بالمقابل توجد رواية شعبية لهذه الحقبة الزمنية وضعتها أول مجموعة تأسست برعاية إيرانية سمت نفسها بـ»الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين»، وتُعد أول مجموعة بحرينية تمركز جهدها للعمل في الأراضي البحرينية وبرعاية إيرانية لإسقاط النظام، ذلك بعد وصول الخميني لإيران بأشهر عديدة عام 1979 وإعلانه تصدير الثورة. هي من وضعت قصة البحرين التي ستتولى نشرها في الأوساط الشعبية الشيعية.

ثم بعد ثلاثة أعوام، أي في عام 1982 تأسست في بريطانيا ما سُمي بـ»حركة أحرار البحرين»، وهي مجموعة تشكّلت أيضاً برعاية إيرانية وبتخادم بريطاني، ثم أصدرت نشراتها وسمّتها «صوت البحرين»، والتي خلطت الحوادث والتواريخ بعضها ببعض بشكل مقصود ومتعمّد، فأسقطت ما حصل منها قبل دخول آل خليفة وما حصل منها بعدها على بعضها البعض، وأقحمت قصصاً وروايات حدثت قبل فتح البحرين، ونسبته لدخول آل خليفة البحرين. فأتت تلك المجموعات وربطتها كلها بعام 1783 بقصد وبتعمّد ودسّ ممنهج ومدروس، وخلقت سردية بها بعض من الواقع وكثير كثير من الخيال وإسقاطات تاريخية، حتى عمّ السواد القلوب حقداً وبغضاً، وبُنيت الحواجز النفسية، وعلى مدى ما يقارب الخمسين عاماً، خاصة في الأوساط الشيعية الحاضنة للمجموعات الإيرانية، كانت هذه الرواية تُسرد وتُكرر على مدى أكثر من ثلاثة أجيال متتالية، لم تترك مكاناً لإيجابية أو خير أو حُسن نية أو صفحات جديدة بين هذه الشرائح الشعبية والدولة.

وحين تولى جلالة الملك حفظه الله سدة الحكم، وصدر العفو العام، استغلت هذه المجموعات مساحة الحريات العامة وأكملت مهمتها السردية القاتمة تجاه قصة البحرين التي جعلوها سواداً، إنما هذه المرة من على الأرض العربية البحرينية.

واستغلوا حجة حرية التعبير والحقوق السياسية لإكمال مهمتهم، وبرعاية دولية هذه المرة وليست إيرانية فحسب، بنت المجموعة الإيرانية لها مؤسساتها الدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية والمالية (المجلس العلمائي وجمعية الوفاق وجمعية التوعية وبنك إيراني يمدهم باحتياجاتهم وينقل منه ما يُجمع لأغراض دينية.. إلخ).

رواية قاتمة لقصة البحرين تمَّ سقيها لأجيال من الشباب البحريني في العديد من القرى، حيث عملت هذه «الماكنة» التي لاحقته في كل مكان على تثبيتها باستخدام ثلاث أدوات: الإغراق، وقوة الصد، والاحتفاظ بالروابط.

«الإغراق»، فلم تترك منصة إلا واستغلتها لنشر «قصة البحرين» المزيفة والملونة باللون الأسود، وكانت تجري على مدار الساعة في جميع المنصات المتاحة: المنابر الدينية والثقافية والاجتماعية وحتى الصحفية في فترة من الفترات. وتُرك هذا التزييف ولم يقابله أي جهد لتنقيحها وتفنيدها فلن يكلف أحد نفسه بمواجهتها، فتُركت لتسري في العروق على مدار ثلاثة أجيال، هو زمن بداية إعلان تصدير الثورة الإيرانية حتى اليوم.

أما «الصد»، هو التصدي لأي رواية أو فعل أو أي نوع من أنواع التقارب بين شباب تلك القرى والدولة بأي صورة من الصور، وتحطيم وتخوين واغتيال معنوي لأي شيعي يروي غير روايتهم، حتى دب الخوف والرعب عند المثقفين والأكاديميين والكتّاب والصحفيين ورجال الدين أو أي شيعي يجرؤ ويفنّد روايتهم أو حتى يدعو لإعادة النظر فيها.

أما «الربط»، فهو إبقاء الشعور والإحساس بأن إيران هي رابطهم، هي ملاذهم هي منقذهم، بعملية تولّى تنفيذها وكلاؤهم، وتولتها شخصيات إيرانية مسؤولة من داخل إيران تصرّح بين الفينة والأخرى أي تصريح يوهم الشيعة بأن إيران هي أصلهم، هي جذرهم، هي سندهم، كتصريح شريعتمداري قبل يومين.

هكذا تظل النسخة الإيرانية من الرواية البحرينية حاضرة في الأذهان.

فماذا فعلت الدولة بقصة البحرين الواقعية بحلوها ومرها؟ وماذا فعل شعب البحرين بقصته؟ هل فكر في سردها شعبياً؟

للبحرين قصة رائعة جداً منذ عام 1783، وجميلة وحافلة بالبطولات العربية والمعارك التي خاضتها البحرين للحفاظ على استقلاليتها، وحافلة بالجوانب الإنسانية التي جمعت الحكم بالبحرينيين سنةً وشيعةً، تفوق بكثير أي سلبية حصلت في القرنين والنصف من الأعوام، ويغطي نورها على أي ظلم وقع أو فساد ارتُكب أثناء تلك الحقبة، وهذا طبيعي ولا ينكره أحد في تاريخ الشعوب والملكيات قاطبة. فمتى سنسردها؟