تُعدّ تقنيات الذكاء الاصطناعي من أكثر الموضوعات إثارةً للنقاش في الوقت الحالي. وفي مجال الخزينة (Treasury)، يعد المورّدون بتحقيق مكاسب في الكفاءة، واتخاذ قرارات أفضل، وأتمتة العمليات. ولكن ما الحقيقة الكامنة وراء هذه الوعود؟ وأين يحقق الذكاء الاصطناعي قيمة فعلية اليوم؟
الوضع الحالي للتقنية – ما الممكن اليوم؟
وصل الذكاء الاصطناعي في إدارة الخزينة إلى مستوى أعلى بكثير من النضج خلال السنوات الأخيرة. ونحن حالياً في مرحلة انتقالية من الأتمتة المعتمدة على القواعد (مثل وحدات الماكرو ومنطق إذا-فإن) مروراً بالتعلم الآلي، وصولاً إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكيل (Agentic AI).
وفي حين أن التعلم الآلي يُستخدم بالفعل بشكل عملي في المشاريع التجريبية اليوم، فإن الذكاء الاصطناعي الوكيل – أي الأنظمة المستقلة القادرة على اتخاذ القرارات – لا يزال في مرحلة التطوير. وعلى المدى الطويل، يعد هذا التوجه بإدارة خزينة شبه مستقلة، حيث تقوم وكلاء الذكاء الاصطناعي بتشغيل السيناريوهات بشكل مستقل، وتقييم المخاطر، واقتراح الإجراءات المناسبة.
ولا يزال هذا المجال تجريبياً إلى حد كبير، إلا أن الاتجاه واضح: الذكاء الاصطناعي سيغيّر إدارة الخزينة تدريجياً، وليس بشكل مفاجئ أو جذري.
أربع حالات استخدام ذات قيمة حقيقية
1. التخطيط التنبؤي للسيولة
تقوم نماذج الذكاء الاصطناعي بتحليل التدفقات النقدية التاريخية، والتأثيرات الموسمية، والعوامل الخارجية للتنبؤ بالتدفقات النقدية المستقبلية. ويؤدي ذلك إلى جعل التخطيط أكثر واقعية، واكتشاف التقلبات في وقت مبكر، وتوسيع خيارات الإجراءات الوقائية للحد من المخاطر. كما يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل العديد من العوامل المؤثرة بالتوازي واكتشاف العلاقات والاعتماديات بينها.
ومع ذلك، يبقى أمرٌ أساسي واضحًا: لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتنبأ بجودة تفوق جودة البيانات التي يعتمد عليها. ولذلك فإن جمع البيانات، وتجميعها بشكل مناسب، وضمان قابليتها للمقارنة عبر السنوات، تمثل التحديات الحالية الرئيسية في هذا المجال. ولهذا السبب تقع هذه الحالة الاستخدامية في منطقة وسطى بين التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي التوليدي.
2. منع الاحتيال في المعاملات المالية – الحماية من خلال التعرف على الأنماط
في مجال المدفوعات، يمكن للذكاء الاصطناعي تحديد الأنماط المشبوهة التي قد تشير إلى محاولات احتيال. ومن خلال التعلم المستمر من المعاملات التاريخية، تصبح هذه الأنظمة أكثر دقة مع مرور الوقت، مما يقلل المخاطر دون إبطاء عمليات الدفع.
ومع ذلك، يظل العنصر البشري ضرورياً؛ فالذكاء الاصطناعي يكتشف الحالات المثيرة للشك، لكن فريق الخزينة هو من يقوم بالتقييم النهائي لها. كما أن توفر سجل تاريخي كافٍ من البيانات يعد عاملاً حاسماً هنا أيضاً. ولذلك لا تزال هذه الحالة تعتمد بشكل رئيسي على تقنيات التعلم الآلي.
واستكمالًا لما تم عرضه في المقال السابق، نود تقديم حالتي استخدام إضافيتين:
3. معالجة كشوف الحسابات البنكية – أتمتة بدقة عالية
تتمكن الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي من التعرف تلقائياً على المعاملات وتصنيفها، ومطابقتها مع بيانات القيود المحاسبية، وتسجيلها في النظام خلال ثوانٍ معدودة.
ويُحسّن الذكاء الاصطناعي الوظائف التي كانت أنظمة إدارة الخزينة (TMS) تنفذها سابقًا من خلال إنشاء قواعد يدوية. ويعمل مزودو أنظمة إدارة الخزينة بالفعل على طرح هذه القدرات في السوق، إلا أن هذا التطور لا يُعد ابتكاراً جذرياً بحد ذاته.
4. مساعدو الخزينة – دعم العمليات اليومية
يمكن للمساعدين الافتراضيين، المشابهون لروبوتات المحادثة، المساعدة في جمع المعلومات أو دعم اتخاذ القرار. فعلى سبيل المثال، يمكن الإجابة خلال ثوانٍ على أسئلة مثل: “ما هو صافي تكلفة الفوائد لدينا هذا الشهر؟”
تقييم السوق: يتوفر هؤلاء المساعدون بالفعل لدى بعض مزودي أنظمة إدارة الخزينة، ولكن ضمن نطاق محدود وبصفة استشارية وداعمة فقط.
التغيرات في هيكل الخزينة والوظائف
من خلال حالات الاستخدام السابقة، يتضح أننا نتجه نحو بيئات عمل تفاعلية تعتمد على البيانات داخل إدارات الخزينة. ولكن ماذا يعني ذلك تحديدًا بالنسبة للموظفين والوظائف؟
المكتب الأمامي (Front Office)
سيتم تقليص الوقت والجهد اللازمين لجمع المعلومات بشكل كبير. حيث سيتولى الذكاء الاصطناعي عمليات البحث وتحليل أخبار الأسواق والتنبؤ بالتقلبات المستقبلية. كما سيتم إنشاء عمليات تجديد عقود العملات الأجنبية (FX Rollovers)، وأدوات سوق النقد، والتحويلات اللحظية (Intraday Transfers) بشكل شبه آلي.
وفي المستقبل، سيتم أيضاً اقتراح استراتيجيات محددة للتحوط أو التمويل مع بيان آثارها من حيث التكلفة والمخاطر. ويبقى الدور البشري قائماً، لكنه سيتحول إلى دور إشرافي، بحيث يظل الإنسان ضمن دائرة اتخاذ القرار للمراجعة والتأكيد النهائي للاستراتيجيات المقترحة.
المكتب الأوسط (Middle Office)
ستستمر قدرات اكتشاف الاحتيال المذكورة أعلاه في التطور، كما ستظهر أنظمة لمراقبة الحدود والسياسات تكتشف المخالفات قبل أن تتحول إلى مشكلات تشغيلية فعلية.
وستتحول المهام بشكل متزايد نحو التحقق والحوكمة والإشراف على الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك التأكد من دقة الخوارزميات المستخدمة في إعداد التقارير. وبشكل عام، سيصبح المكتب الأوسط أصغر حجماً، لكنه سيضم كفاءات أعلى تأهيلًا، خصوصاً من الناحية التقنية.
المكتب الخلفي (Back Office)
من المتوقع أن يشهد هذا القسم أكبر قدر من التغيير. فعلى سبيل المثال، ستتم معالجة المستندات (مثل رسائل SWIFT، ووثائق اعرف عميلك KYC، والعقود) باستخدام الذكاء الاصطناعي، إلى جانب أتمتة الضوابط الرقابية، وتصحيح أخطاء القيود غير الصحيحة، وإدارة معلومات الأطراف المقابلة والتسويات.
ومن الناحية النظرية، قد تختفي وظيفة المكتب الخلفي بالكامل. إلا أن المؤسسات لن تكون على الأرجح خالية تماماً من الحالات الاستثنائية. فمعالجة الأخطاء النظامية، والتعامل مع المتطلبات التنظيمية الخاصة، ستظل تتطلب تدخلاً بشرياً.
ومع مرور الوقت، سيتقلص حجم هذا القسم بشكل ملحوظ، وقد يختفي بالكامل في بعض المؤسسات اعتماداً على مدى نجاح الأتمتة.