لا تحتاج دول الخليج إلى درس جديد في كلفة الجغرافيا. فمنذ عقود، وهي تقع في نطاق أزمة فشل الولايات المتحدة في احتواء إيران، وجمهورية تلتحف بالمظلومية الشيعية في إحياء إمبراطورية فارسية.

والخصومة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية قد تتبدل أدواتها، من العقوبات إلى التهديد، ومن الاستعراض العسكري إلى الضغط الاقتصادي، لكن ثابت واحد فيها لا يتغير؛ هو أن ساحة الاختبار تقع دائماً خارج حدود الفرقاء، وأن الفاتورة تصل إلى دول الإقليم دون سواها.

وفي كل مرة يُقال إن التوتر بلغ سقفه، يظهر ما يثبت أن كافة الأسقف قابلة للتطويع. ولعل بيتي الشعر لسمو الأمير خالد الفيصل، أطال الله لنا في عمره، تلخّص الحال:

يا زمان العجايب وش بعد ما ظهر

كل ما قلت هانت جد علمٍ جديد

إن حكينا ندمنا وإن سكتنا قهر

بين قلبٍ عطيب وبين راس عنيد

والـ«علم الجديد» هذه المرة هو مقترح فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز، تبلغ 20 في المائة من قيمة شحناتها، ثم الانتقال إلى نقاش حول ما إذا كانت هذه النسبة مرتفعة أو قابلة للتخفيض. وهذا، في حد ذاته، هو موضع الخلل. إذ ليس السؤال كم تكون الرسوم؟ بل من يملك، أصلاً، حق تحويل مضيق دولي إلى صندوق جباية أو تسليع في نزاع سياسي؟

مضيق هرمز ليس مرفقاً تفاوضياً، ولا منصة لتمويل الخصومات، ولا ممراً يمكن إدخاله في دفتر الحسابات الانتخابية أو تزاحم إقليمي. فهو ممر دولي تحكمه قواعد القانون البحري، وتقوم عليه مصالح اقتصادية تتجاوز الولايات المتحدة وإيران ودول الخليج معاً.

لكن دول الخليج تبقى الأكثر التصاقاً بعواقب أي عبث فيه، لأن صادراتها ووارداتها وموانئها وخطط تنميتها مرتبطة بصورة مباشرة، واستقرار الأمن الملاحي فيه مرتبط بأمن الاقتصاد الدولي.

والمسألة لا تتوقف عند سفينة تدفع رسماً أو شركة تعيد حساب كلفة رحلتها. فمجرد تداول هذه الأفكار يرفع من مستوى المخاطر وما ينعكس جراء ذلك من كلف احترازية. فالأسواق تسعر بحسب مقاييس المخاطر لا بعد وقوعها، وذلك يحد من قابلية اجتذاب رؤوس الأموال والاستثمارات المباشرة أو غير المباشرة.

ومن غير المقبول أن تُطالب دول الخليج بحماية استقرار أسواق الطاقة العالمية، وفي الوقت نفسه تُترك رهينة لسياسات تجعل هذا الاستقرار أداة ضغط في جعبة أطراف متزاحمة أكانت إقليمية أو قطبية.

كما أنه لا يستقيم أن تُطرح حرية الملاحة بوصفها مبدأً حين تخدم المصالح، ثم تصبح موضع مساومة حين يحتدم التزاحم بأشكال غير تقليدية.

على واشنطن وطهران أن تدركا أن إدارة نزاعهما لا تمنحهما حق استخدام الخليج مسرحاً أو أداة. ونقدر أن للولايات المتحدة مصالحها، ولإيران حساباتها، لكن لا مصلحة لهما، ولا مصلحة للعالم، في تحويل أمن الملاحة إلى بند قابل للتسليع السياسي.

فالممرات الدولية ليست غنيمة سياسية، والتجاوز على السيادة باسم الأمن لا يخدم المصالح الاستراتيجية المشتركة.

والموقف المطلوب والصريح من دول المنطقة يجب أن يتمثل بالتالي؛ إن أمن الخليج العربي وحرية الملاحة فيه خط أحمر يستند للقانون الدولي، ولن يُقبل في ذلك أمر يمس بالسيادة الإقليمية فيه أو ما يتصل به.

وأن دولنا لم تختر هذه الأزمة، لكنها لن تقبل أن تتحول إلى بيدق في لعبة تزاحم إقليمي أو قطبي.