في منتصف الليل يستلقي شاب في الثلاثينيات من عمره، وربما الأربعينيات –بعد تمديد عمر الشباب– يحرك شاشة هاتفه بطرف أصبعه، فيقرأ منشوراً عن صديق الطفولة، وهو يعلن لمحبيه عن شراء بيته، وآخر وهو يفتتح فرعاً جديداً لمحلاته، وآخر يقدم نصائح للجيل الجديد في التجارة بعد أن خاض تجربته التجارية وحقق أول مليون من الصفر –حسب زعمه– وزميل آخر وهو يحتفل بقدوم مولوده الخامس، ثم يأتي صاحبنا ليقارن كل هؤلاء دفعة واحدة بنفسه، ويقول: لماذا تأخرت عن هذا الركب؟
هذا المشهد التخيلي، هو صورة تتكرر يومياً لجيل كامل يعيش تحت وطأة شعور ذلك الواقف في محطة القطار، وعندما وصل القطار، وصعد على متنه الركاب بقي هو على الرصيف، فأدرك بعد مغادرة القطار أنه فوته، متأخراً في جمع المال، متأخراً في الزواج والإنجاب، متأخراً في تأسيس عمل يكون سبباً في دخله المادي، متأخراً في تكوين العلاقات الشخصية، متأخراً في الوصول إلى الشهرة، بينما وصل الآخرون إلى وجهتهم، لكن لا أحد من أغلب هؤلاء المتأملين في منتصف الليل سأل سؤالاً مختلفاً، وهو أنا متأخر حسب أي جدول، ومن كتب الجدول الزمني الذي نحاكم حياتنا على أساسه؟
قد نكون مخدوعين، عندما نقيس أعمارنا بساعات غيرنا، فنحن كمن يضع على معصمه ساعة اختارها، بينما هو يضبط مواعيده على توقيت ساعات آخرين، فيتحرك على أساس توقيتاتهم، لينتهي ذلك بحسرة على المسافة بينه وبينهم، المشكلة الأكبر أن ساعات الآخرين التي ننظر فيها ليست حقيقية فهي مركبة من أحجار وجواهر اختيرت بعناية لتظهر الساعة بهذا الشكل، فمن اشترى البيت، وصور لنا لحظة توقيع العقد أو دخول البيت، لم يذكر أن ثمن هذا البيت جاء بسبب ميراث أو قرض أو سنوات من تعب العمل، وذلك الذي يتحدث عن التجارة ونجاحاته، ويقول أنه بدأ من الصفر، ربما يكون الصفر عبارة عن نصف مليون حصل عليها كقرض من البنك بضمان أصول والده.
شعورنا بالتأخر مبني على افتراض خاطئ، وهو وجود سباق ونقطة انطلاق ونقطة نهاية، لكن هل الكل ينطلق من النقطة نفسها؟ وهل مطلوب من الكل أن يصلوا إلى النقطة نفسها، بل هل نحن في سباق أصلاً، الحقيقة لسنا في سباق وهناك ملايين الطرق لكل طريق طبيعته، والنجاح ليس له موعد كما للقطارات مواعيد فكم من غني اغتنى في آخر العمر وكم من مؤلف بدأ بعد الأربعين، وكل هؤلاء وصلوا من دون تأخير، لكنهم وصلوا بتوقيتهم الخاص. العمر ليس مسطرة تقاس عليها الإنجازات، وفي نهاية العمر، لن يقف أحد ليقارن دفترك بدفاتر الآخرين، الأسئلة الأخيرة ستكون عنك وحدك، هل عشت حياتك أنت أم نسخة باهتة من حياة غيرك؟ هل مشيت طريقك أم كنت تركض خلف أرصفة الآخرين؟ لذا اضبط جدولك على ساعتك لا على شاشة هاتفك.