الدول لا تكشف أزماتها دائماً بما تعلنه، بل بما تضطر إلى فعله عندما تضيق الخيارات. وما نشهده اليوم في السلوك الإيراني يكشف تحولاً مهماً من مشروع كان يسعى إلى توسيع النفوذ، إلى مشروع يحاول منع التراجع وإدارة الخسائر.

على مدى أكثر من أربعة عقود، حاولت إيران تقديم نفسها باعتبارها لاعباً رئيسياً في معادلات الشرق الأوسط. لم يكن ذلك نتيجة قوة اقتصادية استثنائية أو نموذج تنموي جاذب، بل عبر بناء شبكة واسعة من النفوذ السياسي والأمني والعسكري خارج حدودها.

ومنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، ارتبط المشروع الإيراني بفكرة تصدير الثورة وتوسيع دوائر التأثير في محيطها العربي، مستفيداً من الأزمات والصراعات التي شهدتها المنطقة.

لكن ما يحدث اليوم يطرح سؤالاً مختلفاً: هل ما نشهده يعكس قوة المشروع الإيراني أم بداية مرحلة البحث عن النجاة؟

المؤشرات المتراكمة خلال السنوات الأخيرة تشير إلى أن إيران لم تعد تتحرك من موقع التوسع كما كانت تفعل سابقاً، بل من موقع الدفاع عن مشروع يواجه ضغوطاً متزايدة وتحديات غير مسبوقة.

فالقوة التي اعتادت الحديث عن توسيع النفوذ أصبحت منشغلة بالحفاظ على ما تبقى من أدواته.

لقد بنت طهران جزءاً كبيراً من نفوذها الإقليمي عبر حلفاء ووكلاء انتشروا في عدد من الدول العربية.

ففي لبنان تحول حزب الله إلى أحد أهم ركائز المشروع الإيراني خارج الحدود.

وفي العراق توسع النفوذ الإيراني بصورة لافتة بعد عام 2003.

كما لعبت إيران دوراً محورياً في سوريا منذ اندلاع الأزمة عام 2011، بينما مثل الحوثيون في اليمن إحدى أهم أدوات الضغط والتأثير في شبه الجزيرة العربية.

غير أن المشهد الإقليمي اليوم لم يعد كما كان قبل عقد أو عقدين. ففي أكثر من ساحة بدأت تظهر تحديات حقيقية أمام هذا المشروع.

فالأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعيشها بعض البيئات الحاضنة للوكلاء الإيرانيين أضعفت الصورة التي حاولت طهران ترسيخها عن مشروع يتمدد بلا حدود أو كلفة.

وفي الوقت ذاته، تراجعت فاعلية إحدى أهم الأدوات التي راهنت عليها إيران لعقود، وهي استثمار الانقسامات المذهبية لبناء مساحات نفوذ داخل المجتمعات العربية.

فقد أثبتت التجارب أن الهوية الوطنية في دول الخليج العربي كانت أقوى من رهانات الاستقطاب، وأن محاولات استغلال الانتماءات الفرعية اصطدمت بوعي مجتمعي متزايد وإدراك متنامٍ لطبيعة التحديات التي تواجه المنطقة.

ولعل ما يفسر جانباً من السلوك الإيراني الحالي هو أن الأنظمة التي تواجه ضغوطاً متزايدة في محيط نفوذها غالباً ما تبحث عن نقل الأزمة إلى ساحات أخرى.

ومن هنا يمكن فهم محاولات توسيع دائرة التوتر وإدخال دول الخليج العربي في معادلات صراع لا تمثل طرفاً فيه.

فالهدف لم يعد تحقيق مكاسب جديدة بقدر ما أصبح منع خسائر إضافية.

وهذه نقطة فارقة بين مشروع في مرحلة الصعود ومشروع في مرحلة إدارة التراجع. فالأول يعمل على توسيع النفوذ، أما الثاني فيسعى إلى إعادة توزيع الأزمات أملاً في تأخير استحقاقات المواجهة مع الواقع.

لكن إذا كانت طهران تواجه تحديات في أدوات نفوذها التقليدية، فكيف حاولت تعويض ذلك؟ وكيف تحولت الممرات البحرية وأمن الطاقة ودول الخليج إلى جزء من استراتيجية إدارة الأزمة؟

ذلك ما سيتناوله الجزء الثاني من هذا المقال، عند التوقف أمام سياسة تهديد الممرات الدولية، وحروب الوكلاء، ومحاولات نقل الصراع إلى الخليج العربي، ولماذا قد تمثل هذه السياسات أخطر مظاهر الانتحار الاستراتيجي الإيراني.