تستحضر خطابات حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين المعظم، حفظه الله ورعاه، محطات تاريخية وحضارية بارزة، وتوظفها في تأكيد عراقة مملكة البحرين وعمق تواصلها مع الحضارات الإنسانية منذ أقدم العصور. ويعكس هذا الحضور التاريخي في خطابات جلالته معرفة دقيقة بتاريخ البحرين ومكانتها الاستراتيجية، وحرصاً على ربط علاقات المملكة المعاصرة بجذورها الحضارية الراسخة.
وتأتي زيارة جلالة الملك المعظم إلى الجمهورية اليونانية لتقدم شاهداً واضحاً على هذا النهج؛ إذ استحضر جلالته تاريخ التواصل القديم بين البحرين واليونان، مؤكداً أن العلاقات بين البلدين لا تبدأ من الاتفاقيات الدبلوماسية الحديثة، وإنما تمتد إلى أكثر من ثلاثة وعشرين قرناً من التفاعل الحضاري والإنساني.
وقد عبّر جلالته عن هذا المعنى بقوله: «إن ما يجمع بلدينا أقدم مما تحفظه الوثائق وكتب التاريخ، فقد عرف أسلافكم بلادنا باسم تايلوس قبل أكثر من ثلاثة وعشرين قرنًا، وما تزال آثار ذلك اللقاء بين الحضارتين الإغريقية والدلمونية ماثلة في أرضنا إلى اليوم، ونعتز بأن يكون هذا الإرث الإنساني المشترك لبنة لتأسيس شراكة معاصرة تعود بالخير والنفع للشعبين الصديقين».
انطلاقاً من هذه العبارة الملكية الدقيقة، نستعرض في هذا المقال جانباً من تاريخ «تايلوس»، الاسم الذي عُرفت به البحرين في المصادر اليونانية القديمة، وما يمثله هذا الاسم من شاهد على انفتاح البحرين وتواصلها مع العالم منذ العصور القديمة.
لقد سبقت مرحلة تايلوس حضارة دلمون العريقة، التي ازدهرت في البحرين واتخذت منها مركزاً مهمّاً للتجارة البحرية. وكانت دلمون حلقة وصل بين حضارات وادي الرافدين ووادي السند وشبه الجزيرة العربية، مستفيدة من موقع البحرين في قلب الخليج العربي، ومن موانئها ومياهها العذبة ومواردها الطبيعية. وقد أكدت المكتشفات الأثرية أن البحرين لم تكن منطقة معزولة، بل كانت مركزاً حضاريّاً نشطًا تتقاطع عنده طرق التجارة وتلتقي فيه الشعوب والثقافات.
ومع التحولات السياسية والتجارية التي شهدها الشرق القديم بعد امتداد فتوحات الإسكندر المقدوني إلى آسيا في القرن الرابع قبل الميلاد، ازداد اهتمام العالم الإغريقي بالخليج العربي وطرقه البحرية وجزره وموانئه. وفي هذا السياق ظهر اسم «تايلوس»في الكتابات اليونانية القديمة للدلالة على البحرين، ودخلت البلاد مرحلة تاريخية جديدة شهدت تفاعلاً بين الموروث المحلي للبحرين وبين المؤثرات الحضارية الإغريقية والشرقية.
ولم تكن تسمية البحرين بـ«تايلوس» مجرد تبدل في الأسماء، وإنما عبّرت عن حضور البحرين في المعرفة الجغرافية والاقتصادية للعالم القديم. فقد أصبحت أخبار الجزيرة ومواردها ومنتجاتها تنتقل إلى المؤرخين والجغرافيين وعلماء النبات في العالم اليوناني، وهو ما يدل على أن البحرين كانت معروفة خارج محيطها الإقليمي، وأنها احتلت مكانة بارزة في طرق الملاحة والتجارة الدولية في ذلك الوقت.
ومن أبرز من ذكر تايلوس العالم اليوناني ثيوفراستوس، الذي عاش في القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد، وتناول في كتابه «تاريخ النبات» بعض النباتات والأشجار الموجودة في الجزيرة. وقد أشار إلى الأشجار التي كانت تنتج مادة تشبه الصوف، في وصف يرتبط بزراعة القطن وصناعة المنسوجات، كما تحدث عن أخشاب تايلوس وخصائصها واستعمالاتها. وتكشف هذه الإشارات أن البحرين كانت معروفة بما تنتجه أرضها، وأن منتجاتها وصلت أخبارها إلى مراكز العلم في العالم الإغريقي. وقد حفظت النصوص اليونانية القديمة إشارات ثيوفراستوس إلى جزيرة تايلوس.
وتقدم هذه النصوص صورة مهمة عن طبيعة الحياة الاقتصادية في البحرين القديمة؛ فقد جمعت تايلوس بين الزراعة والصناعة والتجارة البحرية. وأسهمت العيون الطبيعية والمياه العذبة في ازدهار الزراعة، وانتشرت أشجار النخيل والمحاصيل المختلفة، بينما ساعد الموقع البحري على ممارسة الملاحة وصيد الأسماك واستخراج اللؤلؤ والتبادل التجاري مع الموانئ المجاورة والبعيدة.
وكان اللؤلؤ من أبرز الثروات التي اشتهرت بها البحرين منذ العصور القديمة، فقد تميزت مياهها بوفرة مغاصات اللؤلؤ وجودته، وأصبح من السلع النفيسة التي جذبت التجار من مناطق مختلفة. وأسهمت هذه الثروة إلى جانب موقع البحرين في جعل تايلوس محطة تجارية تربط بين أسواق الخليج والعراق وبلاد الهند ومناطق الشرق الأدنى، ومنها إلى عالم البحر الأبيض المتوسط.
وتدل الآثار المكتشفة في البحرين، ولاسيما في قلعة البحرين والمستوطنات والمدافن التي تعود إلى تلك المرحلة، على تعدد أوجه الحياة في عصر تايلوس. فقد عُثر على أوانٍ فخارية وزجاجية وحلي وأختام ونقود ومواد مستوردة، تكشف عن اتساع العلاقات التجارية والثقافية. كما ظهرت في بعض القطع الفنية وطرائق البناء والدفن مؤثرات هلنستية امتزجت بالعناصر المحلية والعربية والشرقية.
وهذا الامتزاج يوضح أن البحرين قد حافظت على هويتها المحلية في عصر تايلوس، وأثبتت قدرتها على التفاعل مع الثقافات الوافدة واستيعاب بعض عناصرها ضمن بيئتها الحضارية الخاصة. فقد حافظ المجتمع المحلي على الكثير من عاداته وتقاليده، وفي الوقت ذاته استفاد من المعارف والمنتجات والأساليب الفنية التي انتقلت عبر طرق التجارة. وهكذا تشكلت في البحرين بيئة حضارية متنوعة تجمع بين الأصالة والانفتاح.
وتؤكد الشواهد الأثرية في قلعة البحرين استمرارية الوجود البشري والتجاري في الموقع عبر عصور متعاقبة، من دلمون إلى تايلوس ثم العصور الإسلامية. وتصف منظمة اليونسكو قلعة البحرين بأنها شاهد على نحو أربعة آلاف وخمسمائة عام من الاستيطان، وبأنها كانت ميناءً تجاريّاً مهمّاً ومكاناً التقت فيه شعوب وتقاليد وثقافات متعددة.
وتظهر أهمية تايلوس كذلك في كونها امتداداً للدور الذي قامت به دلمون؛ فبينما ارتبط اسم دلمون بالتجارة بين بلاد الرافدين ووادي السند وشبه الجزيرة العربية، واصلت تايلوس هذا الدور في مرحلة اتسعت فيها الروابط مع العالم الهلنستي ومراكز التجارة في الشرق والغرب. ولذلك، فإن الانتقال من دلمون إلى تايلوس لم يكن انقطاعاً عن التاريخ، وإنما كان استمراراً لدور البحرين الحضاري بوصفها ملتقى للطرق البحرية ومركزاً للتبادل والتواصل.
ومن هنا تأتي الدقة التاريخية في قول جلالة الملك المعظم، حفظه الله ورعاه: «ولاتزال آثار ذلك اللقاء بين الحضارتين الإغريقية والدلمونية ماثلة في أرضنا إلى اليوم». فهذه الآثار ليست مجرد بقايا مادية محفوظة في المواقع والمتاحف، وإنما هي دليل على أن البحرين شاركت في صنع الحضارة الإنسانية، وتفاعلت مع ثقافات العالم القديم، وأسهمت بموقعها ومواردها وإنسانها في حركة التجارة والمعرفة والتواصل بين الشعوب.
كما يكشف استحضار جلالة الملك المعظم لتاريخ تايلوس عن معنى سياسي وحضاري معاصر؛ إذ يوظف جلالته هذا الإرث المشترك في تأسيس مرحلة جديدة من العلاقات البحرينية اليونانية. فالتاريخ في الخطاب الملكي لا يُذكر بوصفه سردًا لوقائع مضت، بل يُستثمر لبناء الثقة بين الدول وإبراز الجذور القديمة للصداقة والتعاون، وتحويل اللقاء الحضاري القديم إلى شراكة حديثة تحقق مصالح الشعبين الصديقين.
ويتصل هذا الإرث كذلك بما أكد عليه جلالته من أهمية التنوع والحوار بين الثقافات والأديان. فقد كانت البحرين منذ دلمون وتايلوس موطنًا للقاء التجار والبحارة والثقافات المختلفة، فترسخت فيها قيم الانفتاح والتسامح والتعايش. وهي القيم ذاتها التي تواصل مملكة البحرين في عهد جلالة الملك المعظم تبنيها والدعوة إليها بوصفها أساساً للأمن والسلام والازدهار.
إن استحضار تايلوس في خطاب جلالة الملك المعظم في اليونان يؤكد أن العلاقات البحرينية اليونانية تستند إلى تاريخ حضاري عريق يتجاوز ثلاثة وعشرين قرناً. فقد عرف الإغريق البحرين، ووصف علماؤهم طبيعتها ومنتجاتها، ووصلت المؤثرات الحضارية بين الجانبين عبر التجارة والملاحة والتفاعل الإنساني.
ومن هنا تمثل تايلوس شاهداً تاريخيّاً على عراقة البحرين وانفتاحها، وعلى الدور الذي أدته في وصل الحضارات القديمة بعضها ببعض. وهي حقيقة تؤيدها النصوص الكلاسيكية والمكتشفات الأثرية وطبقات الاستيطان المتعاقبة؛ فقد كانت البحرين في عصر دلمون مركزاً للتجارة الإقليمية، وكانت في عصر تايلوس جسراً للتواصل مع العالم الإغريقي، وتواصل اليوم بقيادة جلالة الملك المعظم أداء رسالتها الحضارية القائمة على الحوار والسلام والتعاون بين الشعوب.
* أكاديمي وباحث في التاريخ