في بداية عملي في الصحافة قبل سنوات، كنت أتابع اجتماعات الجمعيات العمومية للشركات المساهمة العامة، وأتنقل بين أخبار انتخاب مجالس الإدارات وإعلانات النتائج، مدفوعة بفضول مهني أكثر منه اهتماماً بقضية بعينها.
ومع مرور الوقت، لفت انتباهي مشهد ظل يتكرر لسنوات؛ أسماء الرجال تتصدر القوائم، فيما كانت أسماء النساء، إن حضرت، تُعد استثناءً يستحق الخبر والعنوان. كنت أكتب عن أول امرأة تفوز بعضوية مجلس إدارة، ثم عن ثانية وثالثة، وكأن كل خطوة كانت حدثاً استثنائياً، لا جزءاً من مسار طبيعي يعكس كفاءة المجتمع بكل مكوناته.
واليوم، وأنا أستعيد تلك السنوات، أجد أن الصورة تغيرت تماماً، فلم يعد الحديث عن وجود المرأة في مجالس الإدارة مجرد قضية مساواة، بل نقاشاً يرتبط بجودة الحوكمة، وتنوع الخبرات، وقدرة الشركات على اتخاذ قرارات أكثر اتزاناً واستشرافاً للمستقبل، فالعالم لم يعد يقيس نجاح الشركات بنتائجها المالية فقط، وإنما أيضاً بقدرتها على استثمار جميع الكفاءات دون تمييز.
ومن هذا المنطلق، يكتسب برنامج تمكين المرأة في عضوية مجالس إدارة الشركات المساهمة العامة، الذي ينفذه المجلس الأعلى للمرأة بالتعاون مع عدد من الشركاء، أهمية تتجاوز أبعاده الاجتماعية، فهو يعكس رؤية تنموية تدرك أن مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار لا يقتصر أثرها على تعزيز التمثيل، بل تسهم في رفع تنافسية الشركات، وتحسين كفاءة إدارتها، وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
وفي رأيي، فإن مجلس الإدارة الذي يضم خبرات متنوعة ورؤى مختلفة يملك فرصاً أكبر لابتكار الحلول، وإدارة المخاطر بكفاءة، وصناعة قرارات أكثر توازناً واستدامة، ولذلك فإن تمكين المرأة في مجالس الإدارة يمثل استثماراً في الاقتصاد الوطني، إلى جانب ما يحمله من قيم العدالة وتكافؤ الفرص.
وهنا لابد لي من الإشارة إلى أن المجلس الأعلى للمرأة، برئاسة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة قرينة ملك البلاد المعظم رئيسة المجلس الأعلى للمرأة، نجح في نقل ملف تمكين المرأة إلى فضاء العمل المؤسسي القائم على التخطيط والشراكات وقياس الأثر، ومن خلال رؤية وطنية متكاملة، بنى المجلس منظومة تعاون مع الجهات التنظيمية والرقابية والقطاع الخاص، لتصبح مشاركة المرأة في مجالس الإدارة جزءاً من مشروع وطني يعزز الحوكمة، ويرسّخ مبادئ الجدارة وتكافؤ الفرص.
ويمثل هذا البرنامج نموذجاً متقدماً لذلك التوجّه، بما يوفره من تأهيل للقيادات النسائية، وبيئة تشريعية وتنظيمية داعمة، وأدوات لقياس الأثر الاقتصادي لمشاركة المرأة في صنع القرار، ومع تنامي حضور النساء في قوائم المرشحين، واتساع قاعدة الكفاءات المؤهلة، لم يعد الخبر اليوم عن امرأة تدخل مجلس إدارة للمرة الأولى، بل عن كفاءات بحرينية تثبت أن معيار النجاح الحقيقي هو الجدارة، وأن الاقتصاد الأقوى هو الذي يفتح أبوابه أمام أفضل العقول، نساءً ورجالاً.