من عجائب هذا الزمان أن تجد البحريني أباً عن جد لا يجيد اللغة العربية، فهل لك أن تتصور طفلاً بحرينياً في العاشرة من عمره يقف في بقالة لشراء بعض الحاجيات برفقته سائق أسرته الخاص الآسيوي، فيطلب الطفل من السائق أن يقرأ له العبارة مكتوبة على بطاقة في المحل؛ لأنها مكتوبة بالعربية فالطفل لا يعرف القراءة باللغة العربية، في حين السائق الباكستاني يقرأ العربية، ومن عجائب هذا الزمان أن يكلم الشاب عاملاً آسيوياً باللغة الإنجليزية، فيرد عليه العامل «بابا أنا ما في معلوم إنجلش أنا معلوم عربي»، والمشكلة أن الشاب لا يجيد التحدث باللغة العربية، ومن عجائب هذا الزمان أن تجد أماً بحرينية بلهجتها وهويتها وزيها ترافق بناتها وأبناءها الذين يتخاطبون معاً باللغة الإنجليزية، ولا يشبهون أمهم إلا في لون البشرة وبعضاً من ملامح الوجه وكأنهم ليسوا بأبنائها، مفارقات غريبة عجيبة تجعلنا نقول نحن في زمن العجائب.
هذه المواقف تذكرني بجرس أقرعه المفكر الكبير البحريني الدكتور محمد جابر الأنصاري - رحمه الله -، أذكر في أوائل التسعينات كتب مقالاً يحذر فيه من مخرجات المدارس الخاصة التي تجرد البحريني من هويته العربية البحرينية، فلا يتخرج الطالب وهو لا يجيد اللغة العربية كتابة وقراءة وتحدثاً واستماعاً، يتخرج بلا انتماء ثقافي، والخوف كل الخوف من تجرده من الانتماء الوطني، حينها كنت أعمل أخصائية في إدارة المناهج، حيث أعلن المسؤولون بالإدارة الطوارئ، فشكلت اللجان المختلفة، لجنة لإجراء زيارات تقييمية للمدارس الخاصة، ولجنة لمراجعة المناهج الدراسية للغة العربية والتربية الإسلامية، ومادة الاجتماعيات، ثم أصدرت القرارات بإلزام المدارس الخاصة بالكتب الدراسية المقررة على طلبة البحرين في المدارس الحكومية، بالإضافة إلى المواد الدراسية المقررة لدى كل مدرسة التي تعزز الهوية الوطنية.
واعتكفنا كأخصائيي مناهج على مراجعة وتقييم المقررات الدراسية في المواد الثلاث اللغة العربية، والتربية الإسلامية، والاجتماعيات، التي تقررها المدارس الخاصة على طلبتهم، هذا بالإضافة إلى تشكيل فريق للزيارات الميدانية لتقييم طرق التدريس والتقييم في هذه المواد، حينها كان عدد المدارس الخاصة محدوداً، وكنت أتساءل لماذا يرفع الدكتور محمد جابر الأنصاري - رحمه الله - الراية الحمراء، معلناً الخطر ويقيم الأرض ولا يقعدها، ونتحمل نحن كأخصائيي المناهج ومشرفين تربويين، كل هذا الضغوط في العمل، إضافة إلى مهامنا المعتادة، على الرغم من أن أعداد الطلبة البحرينيين في المدارس الخاصة حينها كان محدوداً؟! فهل تشكل هذه الأعداد خطورة على هوية المجتمع البحريني؟!
اليوم ومع زيادة عدد الطلبة البحرينيين المنتسبين للمدارس الخاصة، بدأت المشكلة تتفاقم، وكأنها كرة من جليد تكبر يوماً بعد يوم تجرف مجتمعنا، والسؤال هل تحولت تلك الظاهرة لمشكلة اجتماعية خطيرة؟، عندما تدخل ساحات بعض المدارس الخاصة، فنجد نسبة من شبابنا قد تجردوا من هويتهم البحرينية العربية المسلمة فلغتهم الإنجليزية، ونمط حياتهم بعيدة عن عاداتنا وتقاليدنا، وسلوكياتهم بعيدة عن قيم مجتمعنا، هنا أدركت أن ما أثاره المفكر الدكتور محمد جابر الأنصاري – رحمه الله - قبل أكثر من ربع قرن كانت نتيجة قراءة استشرافية للمستقبل، وها هي المخاوف المستقبلية أصبحت واقعاً نعاصره بكل مرارة، ويبقى السؤال هل نتوقع دوراً جديداً تقوم به وزارة التربية والتعليم، لتقييم واقع تدريس المواد الدراسية المعززة للهوية الوطنية في المدارس الخاصة البحرينية؟
ودمتم سالمين.