قبل أن تدخل الإذاعة والتلفزيون إلى بيوت الناس، وقبل الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، كانت الأخبار في مملكة البحرين تتنقل بطريقة مختلفة؛ تبدأ من مجالس الرجال، ثم تنتقل إلى مجالس النساء وقهوة الضحى، ومنها تنتشر بين الناس، في شبكة اجتماعية تقوم على اللقاء المباشر والكلمة المنقولة.

كانت المجالس الرجالية في الماضي من أهم الأماكن التي يجتمع فيها الناس لتبادل الأحاديث ومناقشة شؤون الحياة. يجتمع الرجال بعد انتهاء أعمالهم، ويتبادلون الأخبار المتعلقة بالأهل والجيران والأصدقاء، وما يستجد في الفرجان والقرى والأسواق وحوادث البحر والغوص والسفر والعمل وغيرها من شؤون المجتمع.

وكان الخبر يبدأ غالباً من شخص سمعه أو شاهده، فينقله إلى الحاضرين في المجلس، ثم يأخذه أحدهم معه إلى مجلس آخر، وهكذا ينتقل من مجلس إلى مجلس. فلم تكن هناك إذاعة أو تلفزيون أو هاتف محمول أو وسائل تواصل اجتماعي تنقل الخبر فور وقوعه؛ ولذلك كان الإنسان نفسه هو وسيلة نقل الخبر.

وكانت مجالس الرجال تتداول مختلف أنواع الأخبار، ولم تكن كلها مرتبطة بالشأن العام؛ بل كان جانب كبير منها يتصل بالحياة الاجتماعية اليومية. فمن الأخبار التي كانت تشغل المجالس المناسبات السعيدة، كالزواج والخطوبة والمواليد، والمناسبات الحزينة كالوفيات والعزاء، إضافة إلى أخبار المسافرين والقادمين، وأخبار العمل والتجارة والبحر، وما يستجد في الفرجان أو القرية.

وكانت أخبار الأسر والعوائل حاضرة كذلك في الأحاديث؛ فتتداول المجالس أحياناً ما يحدث داخل بعض البيوت، وما يقع بين أفراد الأسرة الواحدة من خلافات أو مشكلات، وربما امتد الحديث إلى العلاقات بين الأقارب والجيران. وكانت هذه الأخبار، بحكم طبيعتها الخاصة، أكثر عرضة لأن تتغير أثناء نقلها، خصوصاً عندما تختلط الحقيقة بالتعليق والتفسير والاجتهاد الشخصي.

ولم تكن رحلة الخبر تتوقف عند مجالس الرجال؛ فالنساء أيضاً كنّ جزءاً مهما من هذه المنظومة الاجتماعية. فبعد عودة الرجل من مجلسه، قد ينقل إلى زوجته بعض ما سمعه من أخبار، فتنتقل تلك الأخبار بدورها إلى مجالس قهوة الضحى النسائية، حيث تجتمع النساء ويتبادلن الأحاديث والأخبار.

وهناك قد يسمعن أخباراً أخرى نقلتها امرأة عن زوجها أو أحد أفراد أسرتها، أو ما سمعته من مجلس نسائي آخر، فتضاف إلى ما سبقها من أخبار وتعليقات. وهكذا يصبح الخبر في رحلة مستمرة بين المجالس والبيوت، ينتقل من رجل إلى رجل، ومن امرأة إلى امرأة، حتى يصل إلى عدد كبير من الناس.

وكانت المشكلة أن الخبر، كلما انتقل من شخص إلى آخر، كان معرضاً لأن تضاف إليه كلمة أو تعليق أو تفسير. وقد تبدأ الحكاية بمعلومة بسيطة، ثم تتوسع عند تداولها، خصوصاً إذا كانت تتعلق بأمر يثير اهتمام الناس، مثل الزواج أو الوفاة أو الخلافات الأسرية.

ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى مجالس الماضي باعتبارها أماكن لنقل الأخبار فقط؛ فقد كانت مؤسسات اجتماعية غير رسمية لها مكانتها في حياة المجتمع. ففيها يتعارف الناس، ويتفقد بعضهم أحوال بعض، ويتناقلون أخبار الأفراح والأحزان، ويسألون عن الغائب، ويقدمون العزاء والتهنئة، ويتبادلون الخبرة والنصيحة.

وكانت الأخبار تصل كذلك عن طريق المسافرين والبحارة والغواصين والتجار والقادمين من المدن والمناطق الأخرى، إضافة إلى الأسواق والمناسبات الاجتماعية والأفراح والمآتم والزيارات العائلية. وكل شخص يعود من سفر أو رحلة كان يحمل معه أخباراً وحكايات تصبح موضوعاً للحديث والسؤال.

لقد كانت تلك هي وسائل التواصل الاجتماعي في زمنها؛ لكنها كانت تعتمد على الحضور الشخصي والصوت والذاكرة، لا على الهاتف والشاشة. وكان المجلس بمثابة محطة تلتقي فيها الأخبار، ثم يخرج كل شخص منه حاملاً معه ما سمعه إلى مجلس آخر أو إلى أسرته.

ومن هنا يمكن القول إن المجتمع البحريني القديم كان يمتلك شبكة واسعة من التواصل، رغم غياب وسائل الإعلام الحديثة. فالخبر يسير ببطء، لكنه يصل؛ وقد يحتاج إلى يوم أو أكثر لكي ينتشر، بينما أصبح اليوم يصل إلى آلاف الأشخاص في ثوانٍ معدودة.

والفرق أن خبر الأمس كان يمشي على أقدام الناس من مجلس إلى مجلس، أما خبر اليوم فيجري بضغطة زر من هاتف إلى هاتف.

ومع ظهور الإذاعة ثم التلفزيون والصحافة ووسائل الاتصال الحديثة، تغيرت طريقة صناعة الخبر ونقله وتداوله. فلم يعد الناس ينتظرون عودة أحد من مجلس ليعرفوا ما حدث، بل أصبح الخبر يصلهم من وسيلة إعلامية أو منصة إلكترونية في اللحظة نفسها تقريباً.

لكن شيئاً واحداً لم يتغير: حب الإنسان لمعرفة ما يدور حوله، وحرصه على السؤال عن الناس وأخبارهم. تغيرت الوسائل، وبقيت الحاجة إلى التواصل حاضرة.

وتظل مجالس مملكة البحرين القديمة، بما شهدته من أحاديث وأخبار وذكريات، جزءاً مهماً من الذاكرة الاجتماعية للمجتمع؛ فقد كانت مجالس للأنس والتواصل، ومجالس للأفراح والأحزان، ومجالس لتبادل المعرفة والخبرة، وفي الوقت نفسه كانت المكان الذي تبدأ فيه بعض الأخبار رحلتها الطويلة من مجلس الرجال إلى قهوة الضحى، ومن بيت إلى بيت.

تلك كانت حكاية الخبر في زمن مضى؛ زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي موجودة على الشاشات، لكنها كانت حاضرة بقوة في المجالس والبيوت والقلوب.