احتفت مملكة البحرين، الأربعاء الماضي، باليوم الدولي للشباب، الذي جاء هذا العام تحت شعار «ظروف مختلفة وتطلعات مشتركة»، مجدداً التأكيد على أن الشباب، أينما كانوا، يتطلعون إلى فرص عادلة، ومشاركة مؤثرة، ومستقبل يتيح لهم تحويل قدراتهم إلى إنجاز. وفي بلادي البحرين، اكتسبت المناسبة دلالة وطنية أعمق؛ إذ عكست نهجاً راسخاً جعل تمكين الشباب مساراً تتكامل فيه الرؤية والسياسات والبرامج والفرص.

فقد أرست الرعاية السامية لسيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، مكانة الشباب في قلب المشروع التنموي، بوصفهم قوة وطنية شريكة في البناء وصناعة المستقبل. وتترجم الحكومة برئاسة سيدي صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، هذا النهج من خلال الاستثمار في الكفاءات الوطنية، وتأهيلها لمتطلبات الاقتصاد الجديد، وفتح مسارات أوسع أمامها للمبادرة والعمل والابتكار والمشاركة في الإنجاز. ويكتسب هذا التوجه قوته من كونه مسؤولية وطنية مشتركة، تتكامل فيها وزارة شؤون الشباب مع مؤسسات التعليم والتدريب والعمل، والقطاع الخاص والمجتمع المدني. وبهذا التكامل، ينتقل التمكين إلى منظومة تربط التعليم بالمهارة، والمهارة بالفرصة، والطموح بالمشروع، والمشاركة بالمسؤولية.

ويبرز في هذا السياق الدور المؤثر لسمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب، رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة، في تطوير منظومة العمل الشبابي وتوجيهها نحو صناعة تجارب تكتشف المواهب، وتصقل القدرات وتبني القيادات. كما تسهم جهود سمو الشيخ خالد بن حمد آل خليفة، النائب الأول لرئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة، رئيس الهيئة العامة للرياضة، رئيس اللجنة الأولمبية البحرينية، في تعزيز حضور الشباب وتميزهم، وترسيخ قيم الانضباط والتحدي والعمل بروح الفريق.

ولعل أهم ما يميز التجربة البحرينية أنها تمنح الشباب فرصاً عملية لاكتشاف قدراتهم واختبار أفكارهم. ففي نسختها الخامسة عشرة، تقدم مدينة شباب 2030 هذا العام 256 برنامجاً توفر 10650 فرصة تدريبية، بزيادة تقارب 53% مقارنة بالعام الماضي، وتستهدف أكثر من ستة آلاف شاب وشابة في مجالات القيادة وريادة الأعمال والفنون والعلوم والتكنولوجيا والإعلام والرياضة. ويهيئ برنامج «هايبو يوث» قيادات وطنية شابة، فيما يفتح هاكاثون «بناء مستعمرة قمرية» آفاقًا نحو الفضاء والتقنيات المتقدمة، ويبدأ معسكر «قدها جونيور» الاستثمار مبكراً في الناشئة بتنمية قدراتهم البدنية والذهنية وغرس قيم الانضباط والعمل الجماعي والاعتماد على النفس. وما يجمع هذه المبادرات وغيرها من البرامج الشبابية أنها تصنع مساراً يبدأ باكتشاف الموهبة ويمر ببناء المهارة وينتهي بصناعة الأثر.

وتزداد أهمية هذا المسار في عالم تتغير فيه الوظائف والمهارات بوتيرة متسارعة، ويتقاطع معه التوجه الوطني لتدريب 50 ألف بحريني على مهارات الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030. فالاستعداد للمستقبل يحتاج، إلى جانب المعرفة الأكاديمية، إلى التفكير النقدي وحل المشكلات والمرونة والثقافة الرقمية والقدرة على التعلم المستمر. وهنا تتجلى قيمة البرامج التي تضع الشاب أمام تجربة حقيقية، وتمنحه مساحة للمحاولة والتعلم وتحمل المسؤولية.

ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لسياسات الشباب تُقاس بقدرتها على إحداث تحول ملموس في حياتهم: مهارة جديدة، أو فرصة عمل، أو مشروع ناشئ، أو ابتكار، أو دور قيادي، أو إسهام مجتمعي. ومن ثم، تبرز في المرحلة المقبلة أهمية مواصلة ربط البرامج الشبابية باحتياجات سوق العمل والمهارات الرقمية وريادة الأعمال، مع قياس أثرها واستدامته، وإشراك الشباب أنفسهم في تصميم المبادرات وصنع القرارات التي تمس مستقبلهم.

إن شعار هذا العام يجد في البحرين ترجمة واضحة؛ فقد تختلف اهتمامات الشباب ومساراتهم، لكنهم يلتقون عند طموح واحد، هو أن يجدوا الثقة والفرصة والمساحة التي تسمح لهم بالعطاء. والبحرين، بما أرسته من رعاية ومؤسسات ومبادرات، تؤكد أن الشباب طاقة الحاضر وشركاء الإنجاز الوطني. وكلما اتسعت أمامهم مساحة التجربة والمسؤولية، اتسعت أمام الوطن آفاق التقدم والازدهار.