في البحرين، قد تبدأ الحكايات الكبيرة من تفاصيل تبدو صغيرة: طفل يتعلم كيف يرتب حقيبته، يقود فريقاً، يتحمل مسؤولية قرار، أو يمد يده لزميله قبل أن يطلب منه أحد ذلك، و«هنا»، بالضبط، تبدأ «سالفة المستقبل».
قبل عقود، كانت الحركة الكشفية واحدة من المدارس الصامتة التي صنعت أجيالاً من الرجال. لم تكن خيمةً وصفارةً وزياً موحداً، بل تدريباً مبكراً على الانضباط، والاعتماد على النفس، والعمل الجماعي، وخدمة المجتمع، كثيرون حملوا من تلك التجربة ما لم تمنحهم إياه الكتب وحدها: كيف يكون الإنسان حاضراً حين يحتاجه الآخرون، وكيف تتحول المسؤولية من كلمة إلى عادة.
واليوم، لا تنسخ البحرين تجربة الأمس، بل تطورها بأدوات هذا العصر، فمدينة شباب 2030 أصبحت مساحة وطنية واسعة لاختبار القدرات قبل الدخول إلى الحياة العملية؛ من القيادة وريادة الأعمال، إلى الإعلام والفنون والعلوم والتكنولوجيا والرياضة، وفي نسختها الخامسة عشرة لعام 2026 قدمت 256 برنامجاً و10650 فرصة تدريبية، بمشاركة أكثر من 105 شركاء، في مشهد يقول إن الاستثمار في الشباب لم يعد نشاطاً موسمياً، بل منظومة لصناعة المهارة والفرصة.
لكن اللمسة الأذكى هذا العام جاءت من النزول بسِنّ الاستثمار خطوة إلى الأمام «قدها جونيور»، وهنا تكمن الفكرة النوعية، فالدولة التي تنتظر شابها حتى يبلغ العشرين لتعلمه القيادة، تبدأ متأخرة، أما الدولة التي تدرب الطفل على القرار والانضباط والعمل الجماعي والثقة بالنفس، فهي لا تؤهل شاباً فحسب؛ إنها تؤسس شخصية وطنية منذ البدايات.
وهذه الرؤية لا تأتي في فراغ، فمملكة البحرين، بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، وبدعم صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، جعلت الإنسان في قلب مشروعها التنموي، فيما رسخ سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة نهجاً يرى في الشباب شركاء الحاضر وصناع الغد، ويمنحهم الثقة قبل أن يطلب منهم الإنجاز.
والأهم أن صناعة المستقبل هنا لا تعني القطيعة مع الأصل، فالتقنية والذكاء الاصطناعي والابتكار ليست بدائل عن الهوية، بل أدوات في يد جيل يعرف من أين جاء وإلى أين يريد أن يصل، تلك معادلة البحرين الأصعب والأجمل: عقل مفتوح على العالم، وقدم ثابتة في الأرض، وقيم لا تتبدل كلما تبدلت الأدوات.
وبمناسبة اليوم الدولي للشباب، تبدو الرسالة البحرينية أبعد من الاحتفاء بيوم في التقويم. إنها إعلان عن انتقال جديد: من رعاية الشباب إلى بناء مسار يبدأ قبل مرحلة الشباب نفسها.
وربما هنا تكمن قوة البحرين الحقيقية؛ فهي لا تكتفي بأن يصل أبناؤها إلى النجاح، بل تسأل: كيف نحفظ هذا النجاح؟ وكيف نجعله يتوارث، لا بالاسم، بل بالقيمة والمهارة والقدرة على التجدد بثقة واقتدار دائمين؟
من الكشافة إلى مدينة شباب 2030، ومن الشباب إلى « قدها جونيور»، تغيرت الأدوات وبقي الأصل: وطن يبني الإنسان قبل أن يبني له المنصب، ويزرع المسؤولية قبل أن يمنحه السلطة.
فإذا أردت أن تعرف أين يبدأ مستقبل البحرين، فلا تبحث عنه بعيداً، ابحث عن ذلك الصغير الذي يقال له اليوم: «قدّها»، لأن من يكون «قدّها» من الصغر.. يكون غداً قدّ الوطن.
* إعلامية وباحثة أكاديمية