أذكر كثيراً من المواقف التي كانت تواجهنا ونحن أطفال، والتي لا تزال عالقة في ذاكرتي، حيث كنا نقف مترددين طويلاً أمام أي تجربة جديدة، نراقب الآخرين وهم يخوضونها، بينما يتولد لدينا الإحساس بأننا لا نستطيع.

وفي الحقيقة أننا لم نجرب أصلاً، ولم نكن نعرف أننا قادرون، وكنا نحسم النتيجة مسبقاً في داخلنا، لم يكن الأمر يحتاج إلا لشخص يشجعنا ويدفعنا إلى التجربة. وفي النهاية وبعد محاولات لم تخلُ من التعثر ننجح، الجميل في تلك اللحظة أنها كانت لحظة التغير الذي أعاد لنا الثقة بأنفسنا وقدراتنا وإمكانياتنا.

ربما مررنا جميعاً بمواقف كهذه مع أبنائنا أو أطفال من حولنا، وننظر إليها باعتبارها تفاصيل صغيرة وعابرة، لكنها في الحقيقة قد تكون من اللحظات التي تتشكل فيها شخصية الإنسان، فالطفل يولد وهو لا يعرف حدود قدراته، ولا يحمل معه دليلاً يخبره بما يستطيع فعله وما لا يستطيع، لذلك هو يكتشف نفسه وبالتجربة وبالمحاولة، بالنجاح أحياناً وبالتعثر أحياناً أخرى، ولكن والأهم أن يجد من يمنحه الفرصة ليكتشف بنفسه أنه قادر.

وهنا تحديداً تكمن، في تقديري، القيمة الحقيقية لمعسكر «قدها جونيور».

فحين قرأت حديث سمو الفريق الركن الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، مستشار الأمن الوطني قائد الحرس الملكي، خلال زيارته للمعسكر، توقفت أمام فكرة تبدو بسيطة في كلماتها، لكنها عميقة جداً في معناها، بأن يكتشف كل مشارك إمكانات في نفسه لم يكن يدركها من قبل.

هذه الفكرة وحدها كافية لأن ننظر إلى «قدها جونيور» باعتباره أكثر من معسكر يقضي فيه الناشئة أياماً من التدريب والتحديات البدنية، المسألة هنا تتعلق بشيء أكبر وأبقى أثراً؛ كيف يرى الطفل نفسه بعد انتهاء التجربة؟

أن يعود إلى منزله، وقد عرف أنه يستطيع أن يتحمل أكثر مما كان يعتقد، وأنه قادر على اتخاذ قرار تحت الضغط، وأن بإمكانه النهوض بعد التعثر والمحاولة مرة أخرى، وأن المهمة التي بدت له صعبة في يومه الأول أصبحت ممكنة في اليوم التالي، هذه ليست نتائج تدريب بسيطة، وإنما لبنات صغيرة تتراكم في بناء شخصيته.

كثيراً ما نتحدث عن ضرورة بناء جيل قوي وواثق وقادر على تحمل المسؤولية، لكن الثقة بالنفس لا يمكن أن نقدمها لأبنائنا في محاضرة، والشجاعة لا تحفظ من كتاب، وتحمل المسؤولية لا يتعلمه الناشئ بالنصيحة وحدها، فهذه الصفات تنمو عندما يوضع الإنسان أمام تجربة حقيقية، وعندما يواجه شيئاً يخشاه ثم يكتشف أنه قادر على تجاوزه.

ولهذا تبدو عبارة «قدها» هنا أكبر من مجرد اسم لمعسكر، إنها رسالة يحتاج الناشئ إلى أن يسمعها، والأهم أن يعيشها، أنت قدها.. لكن عليك أن تكتشف ذلك بنفسك.