في زمنٍ أصبحت فيه الشاشة أسرع من أسئلتنا، وبات الذكاء الاصطناعي قادراً على اقتراح الحل قبل أن نكمل المشكلة، جاءت «قدها جونيور» لتذكّرنا بأن بعض المهارات لا تُحمّل من تطبيق، ولا تُختصر في إجابة جاهزة.أكتب عن التجربة هذه المرة بصفتي أباً شارك أبناؤه فيها. و

من قرب، كنت أرى حجم الجهد في التجهيز، وتنظيم الميادين، وتنوع الأنشطة، والتفاصيل الصغيرة التي تجعل الناشئ يشعر أنه داخل تجربة حقيقية، لا برنامج صيفي عابر.

والأجمل أن المشارك لم يكن متلقياً ينتظر التعليمات فقط؛ كان عليه أن يتحرك، ويفكر، ويتعاون، ويتخذ قراراً. ومن يشاهد التنظيم من الخارج قد يرى مشهداً جميلاً، أما ولي الأمر فيرى أيضاً الساعات والجهد والانضباط التي تقف خلفه.

وهنا تحديداً أرى قيمة توجيه سمو الفريق الركن الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة مستشار الأمن الوطني قائد الحرس الملكي بإطلاق المعسكر. فالرؤية لم تتوقف عند إشغال وقت الإجازة، بل ذهبت إلى بناء الشخصية، والثقة، والانضباط، والعمل الجماعي، والاعتماد على النفس. وخلال زيارة سموه للميدان، جاءت الرسالة أوضح: التحديات لا تُخشى، بل تُواجه، وبناء الشخصية يبدأ حين نمنح الناشئ فرصة أن يجرّب ويكتشف قدرته بنفسه.ومن مصادفات الأبوة الجميلة أنني، وأنا أتصفح الصحيفة وبجواري كوب الشاي، توقفت عند صورة لزيارة سموه، فإذا بولدي بين المشاركين. ابتسمت للمشهد، ثم عدت إلى الفكرة الأهم: هذا القرب من الناشئة، في الميدان وبين تفاصيل التجربة، يعطي الرسالة معناها الحقيقي.

ونحن اليوم نجهز أبناءنا لعالم سيزداد اعتماداً على الذكاء الاصطناعي والخوارزميات. لكن المستقبل لن يحتاج فقط إلى من يعرف كيف يستخدم الأدوات الذكية؛ بل إلى من يعرف ماذا يفعل حين لا تسير الأمور كما يتوقع، وكيف يعمل مع فريق، وكيف يقرر تحت الضغط، وكيف يعيد المحاولة بعد الإخفاق. فالميدان، بعكس الشاشة، لا يمنحك دائماً زر «تراجع».

ولهذا أعجبتني «قدها جونيور». ليس لأنها تقف في الجهة المقابلة للتكنولوجيا، بل لأنها تكمل ما لا تستطيع التكنولوجيا أن تفعله وحدها. الجهاز قد يشرح لك الطريق، والذكاء الاصطناعي قد يقترح عشر طرق، لكن لا أحد منهما يستطيع أن يخوض التجربة نيابة عنك.

ومع نحو ألفي مسجل و500 مشارك في الدفعة الأولى، فإن الإقبال وحده يقول إن العائلات تبحث عن هذا النوع من التجارب. لكن النجاح الأهم، في رأيي، لن يكون في عدد الصور أو الأخبار، بل فيما سيبقى بعد انتهاء المعسكر: ثقة أكبر، وانضباط أكثر، واستعداد لمواجهة موقف جديد من دون انتظار إجابة جاهزة.

وهنا يستحق فريق التنظيم والمدربون وكل من عمل خلف المشهد الإشادة؛ لأن تحويل الرؤية إلى تجربة يشعر بها الأبناء وأولياء الأمور هو الجزء الأصعب من أي فكرة جميلة.

نحتاج جيلاً يعرف الذكاء الاصطناعي جيداً، لكننا نحتاج أكثر إلى جيل لا ينتظر من الذكاء الاصطناعي أن يعيش عنه الحياة. وربما هذه أجمل رسالة حملتها «قدها جونيور»: قبل أن نعلّم أبناءنا أدوات المستقبل، علينا أن نعلّمهم كيف يكونون هم.. قدها.

* خبير تقني