تُعدّ درجة التعاون البحرينية الإماراتية بعد الحرب أفضل نموذج تعاوني يجمع عضوين من أعضاء مجلس التعاون، ويرتقي بهما إلى درجة الاتحاد؛ حيث القوات العسكرية المشتركة والمواقف الدبلوماسية المشتركة.
ودون التقليل أبداً من أهمية آليات التعاون مع باقي دول المجلس، أو التقليل من التحالفات التي عقدتها الدول الخليجية مع قوى أجنبية، وتأكيداً لتقدير مملكة البحرين خاصة لعلاقاتها الحميمية على أعلى مستوى مع بقية دول المجلس، وتدين للأشقاء في المملكة العربية السعودية بالكثير، وما يربط البحرين بالكويت من أواصر القربى، وما يجمعها مع بقية أشقائها في قطر وسلطنة عمان، وما تبلور مؤخراً في التدريبات العسكرية الخليجية التي عُقدت في البحرين، وجمعت قوات «درع الجزيرة» على أرضها. لكن فوق ذلك كله، فإن تحرك مملكة البحرين ودولة الإمارات أثناء الشهور الستة الأخيرة (شهور الحرب) شكّل في التنسيق التكاملي البحريني الإماراتي نموذجاً خاصاً يمكن أن يُبنى عليه مع بقية الأعضاء.
فبعد الحرب الأخيرة، فإن أي كلام دون «اتحاد» دول المجلس يُعد قفزاً على الجغرافيا والتاريخ. وإن كان الملك عبد الله بن عبد العزيز قد قالها قبل عشرة أعوام: «آن الأوان للانتقال من التعاون إلى الاتحاد»، فإن هذه الحرب أثبتت أن الأوان قد آن، وربما تأخر كثيراً.
مصيرنا الواحد ثبت حين لم يستثنِ العدو أي دولة خليجية بما فيها الدول التي حاولت أن تنقذ إيران وتساعدها؛ فكلها طالتها الصواريخ الباليستية والمسيرات الإيرانية، سواء تلك التي انطلقت من إيران، أو من العراق أو اليمن أسلحة إيرانية كما قال إسماعيل قاآني حين زار العراق مؤخراً، وهو يحث الفصائل العراقية على عدم تسليم السلاح للدولة بقوله: «إن هذا السلاح إيراني»، وهو إقرار بأن الاعتداءات التي تمت من العراق أو اليمن على دول مجلس التعاون كانت بأوامر إيرانية.
تلك وحدة مصيرية حتمية فرضتها الجغرافيا بين دولنا الست، وهي الجغرافيا ذاتها التي جعلت العدو واحداً، وهي الأسباب عينها التي تداعت لها دول هذا المجلس تحسباً ليوم كهذا، مع الأخذ في الاعتبار أن النظام الإيراني، منذ يوم تأسيسه، قرر الاعتداء علينا، وها قد جاء اليوم الذي كان من المفترض أن تكون العقود الخمسة الماضية كافية للإعداد والاستعداد له.
لا أعتقد أن أحداً من دول المجلس فوجئ بالعدوان الإيراني عليها، وهو اعتداء فاق حتى الاعتداء على إسرائيل فتوجيه السلاح لدول مجلس التعاون كان مُعداً ومُهيأً لهذا الغرض، هذا النظام جمع هذا السلاح لتلغيم المنطقة كلها منذ يوم تأسيس الجمهورية الفارسية اللاإسلامية، قبل أن يلغم مضيق هرمز، وقبل أن يهدد مضيق باب المندب.
إن تفاوت التعاطي السياسي والعسكري بين الدول الست مع تلك الاعتداءات الغاشمة لا ينفي أو يغير من واقع الأمر شيئاً، ولن يقلل من المخاطر التي مهما أُجّلت، ستظل حاضرة ومسلطة على رقابنا. إن خطر هذا النظام واحد علينا جميعاً دون استثناء، وما زال قائماً إلى اليوم، بالرغم من تقطيع أوصاله داخل إيران وخارجها؛ فالتغيرات التي أجراها «وحيدي» باسم «مجتبى» تغيرات تكشف عن ملامح المرحلة المقبلة، وهي تغيرات تميل إلى التشدد ومزيد من السيطرة، والاستمرار بسياسة حافة الهاوية دون أي اهتمام بالوضع الداخلي وتداعيات الحصار، فماذا نحن فاعلون؟
إن أداء البحرين والإمارات أثناء خوضهما ملحمة الصمود الخليجية نموذج متميز لما يمكن أن يكون عليه الاتحاد لو خطا خطوات أكثر نحو توحيد المواقف السياسية والعسكرية. هذا النموذج يمكن أن يُبنى عليه، وسيكون تعزيزاً قوياً لبقية الدول الأعضاء، فوحدة المواقف تعزز قوتها دولياً حين تصدر عن أكثر من دولة مجتمعة، تماماً كما هي التحالفات مع القوى الإقليمية أو الدولية التي تصب في الاتجاه ذاته، فكلها تصب في تعزيز الجبهة الداخلية لدول مجلس التعاون. إنما تلك التحالفات ستتعزز أكثر حين ترتقي مواقف دولنا الخليجية إلى درجة من درجات التعاون القصوى القريبة من الاتحاد؛ فمن شأن ذلك أن يقلل ويخفف من الحاجة إلى الدعم إقليمياً كان أو دولياً، ويجعل تلك التحالفات تأخذ وحدة موقفنا بعين الاعتبار تحسباً لمصالحها مع كتلة موحدة هي الأقوى إن توحدت. عدونا أو حتى حليفنا ينظرون إلى مستوى «تعاوننا» (إن كنا سنبقى على درجة التعاون التي كنا عليها قبل الحرب) أو مستوى «اتحادنا» (إن كنا سنرتقي إلى الدرجة الإماراتية البحرينية) بعين الرقيب اللصيق الذي يقيم قوة هذا المجلس من ضعفه، وبناءً عليه يبنون استراتيجيتهم تجاه المنطقة.. فبقي السؤال: ماذا ننتظر بعد أن ثبتت التوقعات؟
* المقال منشور في صحيفة «البيان» الإماراتية أمس الأربعاء